في المعرض الجماعي «النسخة الأولى»، الذي يحتضنه «عكاس غاليري» بالتزامن مع «اليوم العالمي للفن»، والممتد حتى 30 أبريل الجاري، تتشكل الأعمال حقلًا بصريًا تتقاطع فيه اشتغالات تتباين في منطلقاتها، وتتلاقى في أسئلتها؛ إذ تنفتح كل تجربة على اشتغالات فنانها، دون أن تنفصل عن الإيقاع الذي يُنظم هذا التعدد.
فالمعرض، في بنيته، لا يقوم على ثيمة معلنة، لكنه يخلق شبكة من الموضوعات التي تتردد بين الوطن، والإنسان، والذاكرة، والتحول.
حيث تتحرك الأعمال داخل هذه الحقول، ومن خلالها تتكشف الاشتغالات، التي يغلب عليها منحى الفن المعاصر، عن تعددية في المقاربات البصرية، تتوزع بين اشتغالات تجريدية، وانطباعية، ونحتية، إلى جانب اشتغالات يدوية.
في مجموعة الشيخة ضوى بنت خالد آل خليفة «من البحرين: الضوء، الذاكرة، والمكان»، يُعادُ موضعة المشهد داخل بنيةٍ شعورية تتشكل تحت وطأة التحولات، حيث «لم يعد الفن مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح مساحة للتماسك، ووسيلة للحفاظ على الارتباط بالمكان والذاكرة والمعنى»، كما جاء في وصف العمل، إذ تغدو أعمالها راصدةً لذلك الإحساس المتولد من مشاهدات البحرين، ولما يتبقى من أثر المكان أكثر مما يُرى منه، وتنفتح على معالجة لونية وتكوينات تميل للتخفّف، «تتجه نحو الضوء والنعومة والخيال، لتعيد صياغة المشاهد والرموز المألوفة بطريقة تعبر عن الإحساس بالمكان والانتماء»، بما يجعلها أقرب إلى بناءٍ داخلي يستعيد توازنه عبر الفن، حيث يتقاطع الذاتي مع الجماعي في لحظة بحثٍ عن استمرارية المعنى.
أما في عمل نهلة الكيب «حين تبوح النخيل»، فيتشكل المشهد كسرد بصري تتشابك فيه الكتلة البشرية مع امتدادات النخيل، حيث «يتداخل العنصر البشري مع فضاء النخيل في تكوين بصري يعكس علاقة الإنسان بالمكان، وكأنهما يشكلان ذاكرة واحدة»، فتنساب العناصر داخل اللوحة في حالة تواشج، تُقرأ فيها النخلة كأثرٍ حي يحمل طبقات من الذاكرة.
يشتغل اسكندر ديواني، في أعماله المشاركة التي تحمل عناوين كـ«مُمكنة» و«قوة» و«مقاومة»، على الجسد بوصفه كتلةً دلالية تتشكل عبر الخامة والتكوين، حيث «تميل القطع إلى إبراز قوة الأنوثة والاحتفاء بقوة المرأة وصمودها»، فتستقر العناصر في بناءٍ يحمل الشكل طاقةً كامنة تتجاوز حضوره المرئي، وتُقرأ الكتلة كامتداد لمعنى يتخلق داخل العمل ويتماسك عبره.
وفي «عزيزتي المذكرة»، تنحاز إيمان كريمي لفضاءٍ داخلي تتقاطع فيه التجربة مع التخيل، حيث «تختلط الأحلام والتوقعات مع تجارب الحياة الواقعية لتصنع قصة واحدة تتطور باستمرار»، فتتشكل اللوحة كأثرٍ كتابي بصري تتراكم فيه طبقات الذات، وتتموضع فيه المرأة بوصفها «الشاهدة والبطلة لقصتها»، ضمن بناءٍ منسوج على ورق المذكرات.
أما فاطمة جناحي، ففي أعمالها «خطوة عروس» و«خطوات العروس» و«الجلوة»، فتشتغل على نستولوجيا الذاكرة المحلية ضمن إيقاع طقسي، حيث «لا تقتصر الخطوات على الحركة الجسدية، بل تعكس حضورًا مهيبًا ينسج من الفخامة والنعومة لوحة شاعرية»، لتتوزع الحركة داخل العمل كعلامات متتابعة ترصدها من لحظة العرس في الثقافة البحرينية.
في سلسلة «استمرارية التغيير» لنور الصيرفي، يتشكل العمل على إيقاعٍ مزدوجٍ يتجاور فيه التحول مع رسوخه، حيث «تجسد الفراشة البعد الروحي للتحول» في حركةٍ خفيفةٍ تتبدل باستمرار، مقابل «ورق النخيل الذي يستحضر زمنًا قائمًا على التجذر والثبات»، ليُفتح داخل التكوين «حوار مفتوح بين حالتين متكاملتين: التغير كحركة دائمة، والثبات كقوة كامنة»، فتنساب العناصر في مسارٍ يعيد ترتيب العلاقة بينهما، ويجعل من التكرار مع الاختلاف أثرًا بصريًا يتراكم ليكشف التحول كامتداد متصل داخل بنية لا تنفصل عن جذورها.
أما «جذور الصمود»، فتنقل شيخة يونس الشروقي النخلة لحيزٍ يتجاوز تمثيلها المألوف، حيث «تظهر بشكل متحول وغير تقليدي، في إشارة إلى أن القوة تكمن في القدرة على التكيف والاستمرار»، فتتشكل الصورة كمساحة قراءة لحركة داخلية تتبدل دون أن تفقد اتصالها بأصلها، وتستقر العناصر في بناءٍ يحمل التحول معنى الفعل المتجدد، ويُبقي الاستمرارية.
من العابر إلى المُلتفت إليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك