البحرين ذات الجغرافيا الصغيرة كانت مركزا لحضارات متعاقبة، وهذا التعاقب يؤكد العمق الاستراتيجي لهذه الأرض ومكانتها الاقتصادية والاجتماعية بمنطقة الشرق الأوسط.
والصراعات والتحولات القائمة اليوم تؤكد حقيقة واحدة: أن البقاء هو للحضارات وليس للجغرافيا المكانية للدول.
ومن هنا فالبحرين بموقعها الاستراتيجي ومكانتها الحضارية يمكنها، بأدوات قانونية ودبلوماسية، أن تعزز مكانتها كقوة حضارية في النظام الدولي المعاصر.
التحولات التي يشهدها النظام الدولي تؤكد أن مكانة الدولة لا تُقاس بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل أصبحت القوة الناعمة والحضور الحضاري عاملين محددين في ترتيب الأوزان النسبية للدول؛ فالواقع يؤكد أن الدبلوماسية الحضارية تمثل تحولا نوعيا في العلاقات الدولية، وأن الدول الصغيرة يمكنها أن تلعب دورا رياديا في هذا المجال إذا أحسنت توظيف أدواتها بذكاء وابتكار.
كيف يمكن للبحرين وللدول الصغيرة أن تعزز مكانتها الحضارية في مواجهة الدول الكبرى؟يمكنها تحقيق ذلك من خلال:1 - بناء برنامج دبلوماسي قائم على قواعد “الأمم المتحدة” وفق رؤى القرن 21.
2 - استغلال سور العلاقات الدولية الثنائية والجماعية (الإقليمية والدولية)، الذي بنته البحرين بعقود من العمل الدبلوماسي.
3 - قيام البرلمان بدور استثنائي ونوعي يعزز مكانة الدولة دوليا.
إن قواعد القانون الدولي وميثاق “الأمم المتحدة”، والاتفاقيات الثنائية والجماعية، والمنظمات الإقليمية، جميعها أدوات قانونية، يمكن من خلالها أن تقود البحرين عملا دبلوماسيا فاعلا ومميزا بسلسلة من الإجراءات والأعمال التي تؤكد مركزيتها ومكانتها في البيئة الدولية، وهذا يتطلب بناء برنامج دبلوماسي لمملكة البحرين، يكون قائما على أساس قواعد القانون الدولي وميثاق “الأمم المتحدة”، وتحويل هذه المبادئ من نصوص نظرية - خصوصا مبادئ السيادة، وعدم التدخل، واحترام الخصوصيات - إلى أدوات حماية فعلية.
ويمكن لهذا البرنامج اعتماد العديد من المعايير والأدوات الدبلوماسية المبتكرة:أولا: بناء برنامج دبلوماسي قائم على قواعد “الأمم المتحدة” وفق رؤى القرن 21.
بناء برنامج دبلوماسي لمملكة البحرين، يتطلب مزيجا من الحكمة، والبراغماتية، والرؤية الطويلة المدى، ويمكن لهذا البرنامج اعتماد العديد من المعايير:- تعزيز الدبلوماسية الوقائية والقانونية (لحماية السيادة) من خلال إنشاء وحدة متخصصة في “الدبلوماسية القانونية الوقائية”: مهمتها مراقبة ومتابعة أي تطورات إقليمية أو دولية (تقارير منظمات، تصريحات مسؤولين، مشاريع قرارات)، قد تُفسر بشكل غير مباشر على أنها تدخل في الشؤون الداخلية.
تقوم الوحدة بإعداد ردود قانونية ودبلوماسية استباقية قبل أن تتفاقم القضية.
- مبادرة “تفسير السيادة في القرن 21”: تنظيم سلسلة من الحوارات رفيعة المستوى (بالتعاون مع “الأمم المتحدة” أو جامعات كبرى) لمناقشة تحديات السيادة في عصر العولمة، والفضاء الإلكتروني، وحقوق الإنسان.
تضع البحرين نفسها كدولة رائدة في بلورة فهم معاصر للسيادة يحمي الدول الصغيرة.
- اعتماد شعار “سيادة نشطة وليست دفاعية”، والقيادة الفكرية في قضايا تهم الدول الصغيرة.
- بناء شبكة من المصالح (اقتصادية، قانونية، ثقافية) تجعل المساس بالبحرين مكلفا للآخرين.
الدبلوماسية الاقتصادية الذكية لتعزيز القوةالقوة الدولية تأتي من المركز الاقتصادي، وليس فقط السياسي.
مبادرة “الممر اللوجستي الآمن”: بناء تحالفات مع شركاء دوليين (الهند، الصين، أوروبا) لترسيخ موقع البحرين كنقطة عبور وتخزين آمنة للسلع والطاقة، مستغلة استقرارها السياسي والأمني (وهو انعكاس لاحترام السيادة الداخلي).
هذا يخلق مصالح اقتصادية راسخة تجعل الدول الأخرى حريصة على استقرار البحرين.
القيادة في دبلوماسية الاقتصاد الأزرق: طرح مبادرات في “الأمم المتحدة” بشأن حماية البيئة البحرية والممرات المائية في الدول الجزرية الصغيرة، مع تأكيد حق هذه الدول في التنمية المستدامة وفق خصوصياتها.
هذا يضع البحرين في طليعة قضية عالمية ناشئة.
إعادة تعريف “عدم التدخل” في العصر الرقمي: الملاحظ أن التهديد الجديد للسيادة، يأتي عبر الفضاء الإلكتروني والإعلام الرقمي.
ميثاق بحريني طوعي للأخلاقيات الرقمية: طرح مدونة سلوك دولية طوعية لمكافحة التضليل الإعلامي وحملات التشويه التي تستهدف سيادة الدول، مع احترام حرية التعبير.
تصبح البحرين رائدة في وضع معايير جديدة للعلاقات الدولية في الفضاء الرقمي.
إنشاء مرصد للتدخلات غير المباشرة: بالتعاون مع دول صديقة، يتم إنشاء مركز لرصد وتحليل الأنشطة (تمويل منظمات، تدريب ناشطين، حملات تضليل) التي تشكل تدخلا خفيا في الشؤون الداخلية، ثم رفع تقارير موضوعية لـ “الأمم المتحدة”.
ثانيا: استغلال سور العلاقات الدولية الثنائية والجماعية (الإقليمية والدولية)، الذي بنته البحرين بعقود من العمل الدبلوماسي.
ليس المطلوب بناء علاقات جديدة من الصفر، بل “إعادة تنشيط وتحديث” سور العلاقات القائم، وتحويله من حالة ساكنه إلى حالة ديناميكية تفاعلية، تخدم أهداف رفعة البحرين وقوتها الدولية، مع الالتزام الكامل باحترام سيادة الآخرين وخصوصياتهم؛ ليكون البرنامج نموذجا عمليا لمبادئ القانون الدولي التي تنادي بها البحرين، وأهمها:- أن تقوم بإعادة هندسة الاتفاقيات الثنائية والجماعية لتشمل التحديات الجديدة (الأمن السيبراني، حماية البنية التحتية الحيوية، مكافحة الإرهاب العابر للحدود)، مع تأكيد احترام السيادة.
وهذا يعزز دور البحرين كحليف موثوق.
- استغلال العلاقات الجماعية الإقليمية (جامعة الدول العربية، مجلس التعاون الخليجي، منظمة التعاون الإسلامي)، من خلال طرح مبادرة “التكامل السيادي الخليجي” كاقتراح لمشروع خليجي لحماية السيادة الجماعية ضد أي تدخل خارجي، يعتمد على تبادل المعلومات الاستخبارية، وتنسيق المواقف في “الأمم المتحدة”، وتطوير آليات دفاع مشترك تحترم خصوصيات كل دولة.
البحرين تكون صاحبة الفكرة ومنسقة جهوده.
- تحويل “عاصمة الثقافة العربية” إلى منصة دبلوماسية دائمة، حيث يمكن إنشاء أمانة عامة متجددة لـ “التراث الثقافي للدول العربية الصغيرة” (مثل البحرين، وقطر، والكويت، وجيبوتي، وجزر القمر)، تدار من المنامة، وتعمل على توثيق الخصوصيات الثقافية وحمايتها دوليا.
- استغلال العلاقات الجماعية الدولية (“الأمم المتحدة”، حركة عدم الانحياز، مجموعة الـ 77)، والعمل على إنشاء “مجموعة أصدقاء السيادة للدول الصغيرة” ضمن إطار “الأمم المتحدة”.
تستطيع البحرين قيادة تشكيل مجموعة غير رسمية تضم الدول الجزرية الصغيرة والدول ذات المساحة المحدودة.
الهدف: الضغط من أجل تطوير تفسيرات معاصرة لمبادئ عدم التدخل تتناسب مع تحديات العصر (الإرهاب، الفضاء الإلكتروني، العملات الرقمية).
- استضافة مؤتمر دولي سنوي بعنوان “المنامة للحوار القانوني” تحت رعاية “الأمم المتحدة”: يُعقد في البحرين مؤتمر لمناقشة “تحديات السيادة في القرن الحادي والعشرين”.
هذا يجعل البحرين عاصمة للفكر القانوني الدولي في المنطقة.
- تحويل العلاقات الاقتصادية إلى قوة سياسية: استغلال العلاقات الممتازة مع صناديق الثروة السيادية الخليجية والآسيوية لإنشاء نادي غير رسمي يتبادل الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية في الدول الصديقة.
هذه المصالح المشتركة تجعل أي محاولة للمساس بالبحرين مكلفة لشركائها الاقتصاديين.
- العمل على مبادرة “ممر البحرين اللوجستي” من خلال تحديث الاتفاقيات الثنائية مع دول الممرات التجارية الكبرى (الهند، الصين، تركيا)، لتشمل تسهيلات جمركية ورقمية حصرية للبضائع العابرة عبر موانئ البحرين؛ ما يجعلها مركزا إلزاميا للتجارة الإقليمية.
لجنة الشؤون الدولية المستقبليةثالثا: قيام البرلمان بدور استثنائي ونوعي يعزز مكانة الدولة دوليادور البرلمان يمكن أن يكون محوريا في تعزيز مكانة البحرين دوليا، بما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي وميثاق “الأمم المتحدة”، ويحترم السيادة وعدم التدخل؛ حيث يمكنه:- اعتماد دبلوماسية برلمانية استباقية: يقوم من خلالها، بإنشاء “لجنة الشؤون الدولية المستقبلية” المتخصصة التي لا تكتفي بمتابعة العلاقات الخارجية فقط، بل تعمل على استشراف التحديات الدولية (مثل الأمن المائي، والمخاطر الأمنية، والفضاء الإلكتروني، والهجرة)، وإعداد تقارير استباقية ترفع للحكومة و “الأمم المتحدة”؛ ما يضع البحرين كدولة ذات رؤية.
- تفعيل “اللقاءات البرلمانية الثنائية الدورية”: تحويل زيارات الوفود البرلمانية إلى آلية منتظمة (كل 6 أشهر) مع دول محورية (الصين، روسيا، بريطانيا، الهند، البرازيل).
الهدف: تنسيق المواقف في المحافل الدولية بشأن قضايا السيادة، ومكافحة الإرهاب، وحماية الدول الصغيرة.
إعداد دبلوماسية برلمانية في أوقات الأزمات هذا يمنح البحرين وزنا دبلوماسيا نادرا للدول الصغيرة.
- تعزيز التعاون البرلماني الإقليمي والجماعي: العمل على تأسيس “شبكة برلمانات الدول الجزرية والصغيرة” ودعوة برلمانات الدول ذات المساحة أو السكان المحدودين (مثل جزر القمر، ومالطا، وسنغافورة، وجزر المالديف) لتشكيل شبكة تنسيقية مقرها المنامة، تهدف إلى حماية المصالح المشتركة في “الأمم المتحدة”، وتبادل الخبرات في مواجهة التحديات.
- تفعيل دور “المجموعة البرلمانية الخليجية الموحدة”: تنسيق المواقف بين برلمانات دول مجلس التعاون في المحافل الدولية (IPU).
- قيادة المبادرات البرلمانية الدولية، من خلال استضافة “منتدى المنامة البرلماني للحوار الدولي”: مؤتمر سنوي برعاية الاتحاد البرلماني الدولي (IPU)، يُعقد في البحرين، ويخصص لمناقشة “دور البرلمانات في حماية السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”.
ويخرج المنتدى بـ “إعلان البحرين” الذي يوجه العمل البرلماني العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك