تعد ذكرى عيد تحرير سيناء في 25 أبريل من كل عام، مناسبة وطنية مصرية تجسد عظمة الإرادة والقدرة على الجمع بين" بندقية المقاتل" و" ذكاء المفاوض"، إذ لم تكن عودة أرض الفيروز مجرد انسحاب عسكري أجنبي، بل كانت رحلة ملحمية خاضتها الدولة المصرية عبر مسارات متوازية، بدأت بالحرب الشاملة ثم المفاوضات السياسية الشاقة مرورًا بالمعارك القانونية الدولية، حتى رُفع العلم المصري فوق آخر حبة رمال في طابا.
" الدفاع عن سيناء وحماية كل شبر من أرض الوطن، عهد لا رجعة فيه ومبدأ ثابت في عقيدة المصريين جميعًا يترسخ في وجدان الأمة جيلًا بعد جيل، ضمن أسس أمننا القومي التي لا تقبل المساومة أو التفريط".
بتلك الكلمات، عبر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عن مدى أهمية أرض الفيروز بالنسبة للمصريين.
بدأت رحلة استعادة سيناء فعليًا في السادس من أكتوبر عام 1973، وبحسب الهيئة الوطنية المصرية للاستعلامات، لم يكن العبور العظيم لمجرى قناة السويس وتحطيم خط بارليف مجرد انتصار عسكري لاسترداد الكرامة، بل كان" زلزالاً" إستراتيجيًا غير موازين القوى في الشرق الأوسط.
كان من أهم نتائجها استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس، واسترداد جزء من الأراضي في شبه جزيرة سيناء وعودة الملاحة في قناة السويس في يونيو 1975، كما أسفرت حرب التحرير الكبرى عن نتائج مباشرة على الصعيدين العالمي والمحلي، من بينها تغيير الإستراتيجيات العسكرية في العالم.
كما عادت الثقة للمقاتل المصري والعربي بنفسه وقيادته وعدالة قضيته، والأهم من ذلك سقوط مفهوم الأسطورة الإسرائيلية التي لا تقهر.
هذا النصر أجبر المجتمع الدولي والقوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على التدخل الجاد لإنهاء حالة" اللا سلم واللا حرب"، و مهد الطريق لاحقًا لطاولة المفاوضات من موقع القوة وليس من موقع الانهزام، ودخلت مصر في مرحلة" الدبلوماسية العسكرية" عبر اتفاقيات فض الاشتباك.
بعد اليوم الـ16 من بدء حرب أكتوبر، بدأت المرحلة الثانية لاستكمال تحرير الأرض عن طريق المفاوضات السياسية، إذ تم إصدار القرار رقم 338 الذي يقضي بوقف جميع الأعمال العسكرية بدءًا من 22 أكتوبر 1973م، وذلك بعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في مجلس الأمن، والذي قبلته مصر ونفذته مساء يوم صدور القرار.
وبسبب خرق القوات الإسرائيلية للقرار، أصدر مجلس الأمن قرارًا آخر يوم 23 أكتوبر يلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار والذي التزمت به إسرائيل ووافقت عليه، ودخولها في مباحثات عسكرية للفصل بين القوات، وهو ما أدى إلى توقف المعارك في 28 أكتوبر 1973 بوصول قوات الطوارئ الدولية إلى جبهة القتال على أرض سيناء.
انسحاب القوات الإسرائيليةعقب وقف إطلاق النار، دخلت مصر في مرحلة" الدبلوماسية العسكرية" عبر اتفاقيات فض الاشتباك، إذ تم توقيع اتفاق فض الاشتباك الأول في يناير 1974، عُرف باتفاق" الكيلو 101"، وأدى إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة إلى شرقها، مع تحديد مناطق عازلة ومناطق لتقليل القوات، ما أعاد لمصر السيطرة الكاملة على ضفتي القناة.
أما اتفاق فض الاشتباك الثاني في سبتمبر 1975، فكان خطوة إستراتيجية أعمق، إذ استعادت مصر بموجبه حقول بترول" أبو رديس" والممرات الإستراتيجية في قلب سيناء -مثل متلا والجدي- إلى سيادتها، ما أعطى مؤشرًا قويًا على أن مصر لن تتنازل عن شبر واحد من ترابها الوطني.
ولكن عام 1977 شهد تحولاً شجاعًا بزيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس المحتلة، وهي الخطوة التي فتحت الباب أمام إطار عمل شامل للسلام، ووضعت في عام 1978 الخطوط العريضة للانسحاب الإسرائيلي الشامل من سيناء مقابل ترتيبات أمنية وعلاقات سلمية، عرفت باسم إطار" كامب ديفيد".
داخل منتجع كامب ديفيد بالولايات المتحدة الأمريكية، تم الإعلان عن التوصل لاتفاق يوم 17 سبتمبر 1978 والتوقيع على الوثيقة في البيت الأبيض يوم 18 سبتمبر من العام ذاته، ويحتوي الاتفاق على وثيقتين لتحقيق تسوية شاملة للنزاع" العربي - الإسرائيلي"، تحمل الأولى في طياتها إطار السلام في الشرق الأوسط.
وفي 26 مارس 1979، وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام، والتي نصت صراحة على انسحاب إسرائيل الكامل من شبه جزيرة سيناء إلى الحدود الدولية لمصر، وبموجب جدول زمني محدد، بدأت مراحل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، والتي أدخلت الفرحة إلى قلوب المصريين.
وبحسب الهيئة الوطنية للاستعلامات، استمرت مراحل الانسحاب وفق الجدول الزمني، حتى جاء يوم 25 أبريل 1982، وهو اليوم الذي شهد انسحاب آخر جندي إسرائيلي من سيناء بالكامل، باستثناء منطقة" طابا" التي أصبحت معركة قانونية منفصلة.
في هذا اليوم، تم رفع العلم المصري على حدود مصر الشرقية على مدينة رفح بشمال سيناء وشرم الشيخ بجنوب سيناء واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء بعد احتلال دام 15 عامًا، وإعلان هذا اليوم عيدًا قوميًا مصريًا في ذكرى تحرير كل شبر من سيناء، فيما عدا الجزء الأخير ممثلًا في مشكلة طابا.
التحكيم الدولي وعودة طابااستغرقت المعركة الدبلوماسية لتحرير هذه البقعة الغالية سبع سنوات من الجهد الدبلوماسي المصري المكثف، وعرضت مصر موقفها بوضوح وهو أنه لا تنازل ولا تفريط عن أرض طابا، وأي خلاف بين الحدود يجب أن يحل وفقًا للمادة السابعة من معاهدة السلام" المصرية - الإسرائيلية".
لجأت مصر إلى التحكيم الدولي بسبب ذلك، وفي 30 سبتمبر 1988، أعلنت هيئة التحكيم الدولية، في الجلسة التي عقدت في برلمان جنيف حكمها في قضية طابا، والتي حكمت بالإجماع أن طابا أرض مصرية، ووفي 19 مارس 1989، تم رفع علم مصر على طابا المصرية لتكتمل السيادة المصرية على كامل ترامب أرض الفيروز.
ومع احتفال المصريين بمرور 44 عامًا على ذكرى تحرير سيناء، يبقى أن نرفع الهامات إجلالًا للقوات المسلحة المصرية، كما يقول الرئيس عبدالفتاح السيسي دائمًا، والتي قدمت الشهداء دفاعًا عن التراب المقدس، جنبًا إلى جنب مع رجال الشرطة، الذين خاضوا معارك شرسة لاجتثاث الإرهاب من سيناء، بينما نفخر بالدبلوماسية المصرية التي خاضت معركة قانونية رائدة أثبتوا خلالها أن الحقوق تنتزع بالإرادة والعلم والصبر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك