لم تكن “عروس البحر” يوماً مجرد إحداثيات على خريطة، بل كانت وما زالت أيقونة السحر التي تفتح ذراعيها لعشاق الجمال، حيث تلتقي أمواجها الصافية بعبق الماضي، لتنسج من شواطئها الخلابة ومعالمها العريقة قصة مدينة عريقة أسرت القلوب بجمالها وأصبحت مركزاً للثقافة وعاصمة لمصر لما يقرب من ألف عام.
سميت الإسكندرية بعروس البحر الأبيض المتوسط، لما تحتوي عليه من مناظر ساحرة وأماكن سياحية جذابة، فهي مدينة السحر والجمال التي يقصدها الكثير من الناس لقضاء أجمل الأوقات على شواطئها الخلابة.
فكيف بدأت الحكاية، وما هي سر النشأة؟وكان الهدف الأساسي من تأسيس الإسكندرية، أن تكون ميناءً يربط مصر ببلاد اليونان، ومركزاً تجارياً وثقافياً عالمياً يجمع بين الحضارتين المصرية والإغريقية.
لم تكن خُطى الإسكندر الأكبر نحو مصر وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لقرون من الروابط التجارية بين الإغريق والمصريين، وفي خريف 332 ق.
م، استثمر القائد المقدوني إرث والده “فيليب” وعداء المصريين للحكم الفارسي، ليدخل البلاد فاتحاً ومُرحباً به من المصريين، لذكائه وفطنته؛ إذ وطد حكمه باحترام العقائد المصرية، مُخلداً اسمه بتأسيس مدينة الإسكندرية؛ التي وُلدت كجسر حضاري يربط ضفتي المتوسط.
وذكرت البوابة الرسمية لمحافظة الإسكندرية، أن الإسكندر الأكبر، في طريقه على ساحل البحر المتوسط، استرعى انتباهه بقعة من اليابسة تفصل البحر المتوسط عن بحيرة مريوط ففكر الإسكندر مليا فى تلك البقعة لأن لها مواصفات عجيبة تصلح لإنشاء مدينة عظمى على أحدث الطرز فى ذلك الوقت ومن هذه المواصفات إمكان وصول مياه الشرب العذبة من النيل عن طريق الفرع الكانوبي وجود جزيرة صغيرة فى مواجهة تلك البقعة لا تبعد عنها أكثر من ميل واحد مما يمكن وصلهما معا تعتبر هذه الجزيرة جبهة دفاعية أمامية للمدينة وجود بحيرة مريوط جنوب هذه اليابسة يشكل تحصينا دفاعيا من ناحية الجنوب.
وهذه المواصفات أقنعت الإسكندر بضرورة إنشاء مدينة فى هذا الموقع تحمل اسمه وتخلد ذكراه وتكون ميناء يخدم التجارة الدولية فى هذه المنطقة.
وجدير بالذكر أن الطرف الغربي في هذه المنطقة وهو عبارة عن قرية تسمى راكوتيس كان مأهولا بالسكان الذين كانوا يعملون بالصيد.
واختمرت الفكرة فى ذهن الإسكندر فعهد إلى مهندسه اليونانى (دينو قراطيس) بتخطيط هذه المدينة الجديدة.
ارتبط اسم المهندس دينوقراطيس بتاريخ الإسكندرية منذ أن وضع التخطيط الأول لهذه المدينة عام 331 ق.
م وقسم أرضها الفضاء الى طرق وميادين واحياء فكان لعبقريته الهندسية الفضل في نشوء هذه المدينة.
وكان دينوقراطيس إغريقيا من جزيرة رودس فى البحر المتوسط وقد صحبه الإسكندر فى ضمن مستشاريه كما رافقه فى جولته الكشفية التى بدأها من مدينة كانوب أبو قير حتى المنطقة القريبة من قرية راقودة وجزيرة فاروس بحثا عن مكان ملائم يشيد فيه الإسكندرية.
ويقول الكاتب البريطاني إم فورستر في كتابة “الإسكندرية تاريخ ودليل”، أن المهندس دينو قراطيس، اختار النمط الهيبو دامى لهذه المدينة وهو عبارة عن شارعين رئيسيين متقاطعين بزواية قائمة ثم تخطيط شوارع أخرى فرعية تتوازى مع كل من الشارعين وهو التخطيط الذي شاع استخدامه فى العديد من المدن اليونانية منذ القرن الخامس ق.
م وبدأ المهندس دينو قراطيس بمد جسر يربط بين الجزيرة التي سميت فيما بعد بجزيرة فاروس وكان طول هذا الجسر 1300 م ونتيجة لإنشاء هذا الجسر أصبح هناك ميناءان أحدهما شرقي يسمى بالميناء الكبير والآخر غربي ويسمى ميناء العود الحميد.
وأضاف في كتابه أنه تم تقسيم المدينة الى خمسة أحياء حملت حروف الابجدية اليونانية الأولى ومن هذه الأحياء: الحي الملكي (البروكيون) والحي الوطني وحي اليهود ويمتد المسرح الرئيسي من الشرق إلى الغرب في وسط المدينة وهو المعروف بشارع كانوب (شارع فؤاد حاليا أقدم شوارع الإسكندرية) ويحده من الشرق بوابة كانوب ومن الغرب باب سدرة أما الشارع الطولى الذى يمتد من الشمال الى الجنوب فهو يقابل الآن شارع النبى دانيال وكان يحده من الشمال بوابة القمر ومن الجنوب بوابة الشمس.
وفي أواخر عام 332 ق.
م وصل الإسكندر المقدوني إلى مصر وبعد أن وضع تصور الى مدينة الإسكندرية غادر البلاد ليستكمل فتوحاته في الشرق وإذا كان الإسكندر لم يعد إلى مصر فيما تبقى من حياته ليرى المدينة التي تسمت باسمه فإن القدر كان يحتفظ لهذه المدينة بدور كبير فى تاريخ مصر والعالم المتحضر ولم يقتصر على الفترة التى شهدت عهد البطالمة , خلفاء الإسكندر على حكم مصر وإنما استمر زمنا طويلا بعد نهاية هذا البيت الحاكم في 30ق.
م.
ومن أهم المعالم التاريخية التي ميزت نشأتها:فنار الإسكندرية: أحد عجائب الدنيا السبع القديمة، وكان يُرشد السفن بفضل ارتفاعه الشاهق وتقنياته المعمارية الفريدة.
مكتبة الإسكندرية القديمة: التي أسسها خلفاؤه البطالمة لتصبح أكبر خزانة علمية في العالم القديم بضمها مئات الآلاف من المخطوطات.
عمود السواري: من أبرز المعالم الباقية، وهو عمود ضخم من الجرانيت الأحمر يجسد عظمة العمارة في المدينة.
بعد وفاة الإسكندر في بابل عام 323 ق.
م، أصبحت المدينة عاصمة لمصر تحت حكم البطالمة واستمرت كمنارة للعلم والثقافة لنحو ألف عام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك