في مناطق واسعة من العالم، لا تبدأ الطفولة دائمًا باللعب والطمأنينة بل بمعركة صامتة مع حمّى مفاجئة، ولسعة بعوضة، ومرض قديم لم يخرج بعد من حياة ملايين البشر.
فالملاريا، التي قد تبدو لكثيرين مرضًا من زمنٍ مضى، لا تزال واحدة من أكثر الأمراض فتكًا في المناطق الفقيرة والاستوائية، وخصوصًا بين الأطفال الصغار والرضّع.
وفي كل عام، يعيد اليوم العالمي للملاريا في 25 أبريل/ نيسان التذكير بأن المعركة مع المرض لم تُحسم بعد، رغم ما تحقق من تقدم طبي ووقائي.
وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في 24 أبريل/ نيسان 2026 اعتماد أول علاج مضاد للملاريا مخصص لحديثي الولادة والرضّع الصغار الذين تتراوح أوزانهم بين كيلوغرامين وخمسة كيلوغرامات، بعد سنوات كان يُعالج فيها هؤلاء بتركيبات مخصصة لأطفال أكبر سنًا، ما كان يزيد مخاطر أخطاء الجرعات والآثار الجانبية.
لماذا يكون الأطفال أكثر عرضة للملاريا؟تتحول الملاريا لدى الأطفال إلى خطر مضاعف لأن أجسامهم لم تطوّر بعد مناعة كافية في مواجهة الطفيلي المسبب للمرض.
وفي البيئات التي ينتشر فيها البعوض الناقل، قد تتكرر العدوى أكثر من مرة، فيضعف الجسد الصغير بسرعة، خصوصًا حين يتأخر التشخيص أو لا يتوفر العلاج في الوقت المناسب.
وتزداد الخطورة لدى الرضّع وحديثي الولادة، لأن التعامل مع الدواء في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى دقة شديدة.
فالجرعة لا ترتبط بالعمر فقط، إنما بالوزن وقدرة الجسم على تحمّل العلاج، وهو ما جعل غياب تركيبة مخصصة لهذه الفئة مشكلة طبية قائمة لسنوات.
يمثّل اعتماد العلاج الجديد خطوة مهمة لأنه يوجّه الاهتمام إلى فئة كانت، عمليًا، على هامش سوق الدواء.
فالأطفال الأكبر سنًا كانوا يملكون خيارات علاجية أوسع، بينما ظل الرضّع الأصغر سنًا يعتمدون غالبًا على أدوية غير مصممة خصيصًا لهم.
والعلاج الجديد هو تركيبة من" أرتيميثر-لوميفانترين"، مخصصة لأصغر مرضى الملاريا، بما يسمح بتحسين دقة الجرعات وتقليل احتمالات الخطأ.
وتقول المنظمة إن الاعتماد يعني أن الدواء يلبّي المعايير الدولية للجودة والسلامة والفعالية، ما قد يساعد على توسيع الوصول إلى علاج موثوق لهذه الفئة.
مع ذلك، لا تنتهي القصة عند اعتماد العلاج.
ففي كثير من المناطق المتضررة، لا تكون المشكلة في معرفة الدواء المناسب فقط، إنما في الوصول إليه.
فالطفل المصاب يحتاج إلى عيادة قريبة، واختبار تشخيص سريع، وأسرة قادرة على التنقل، ونظام صحي يستطيع توفير العلاج بلا تأخير.
وهنا تظهر الفجوة الكبرى بين التقدم العلمي والواقع اليومي.
فقد ينجح المختبر في إنتاج علاج أفضل، لكن الطفل في قرية بعيدة قد يبقى خارج دائرة هذا التقدم إذا غابت البنية الصحية، أو تعطلت سلاسل الإمداد، أو تراجع التمويل الدولي.
الوقاية التي تتحول إلى رفاهيةوتعد الوقاية خط الدفاع الأول أمام الملاريا.
تستخدم الناموسيات المعالجة بالمبيدات، ويتم رشّ المنازل، وتجفيف أماكن تكاثر البعوض بالإضافة إلى الحرص على توفير اللقاحات والتشخيص المبكر، والعلاج السريع، لمواجهة الملاريا.
لكن تطبيق هذه الإجراءات قد لا يكون متاحًا دائمًا بالسهولة نفسها.
ففي البيوت الفقيرة، قد لا تكون الناموسية متوفرة لكل طفل.
وفي المناطق المتأثرة بالنزاعات أو النزوح، يصبح النوم في مكان آمن وداخل مساحة محمية من البعوض تحديًا يوميًا.
المرض القديم في زمن الأزمات الجديدةوتزيد الأزمات المناخية والإنسانية تعقيد المعركة ضد الملاريا.
فارتفاع درجات الحرارة وتبدل أنماط الأمطار قد يوسّعان نطاق انتشار البعوض في مناطق جديدة، بينما تؤدي الحروب والنزوح وانهيار الخدمات إلى إضعاف برامج المكافحة.
لذلك، لا يمكن التعامل مع الملاريا كمرض طبي فقط.
هي أيضًا مرآة للفقر، وضعف البنى الصحية، وانعدام العدالة في الوصول إلى العلاج.
ويحمل اليوم العالمي للملاريا هذا العام رسالة واضحة: العالم بات يملك أدوات أكثر مما كان يملك سابقًا، من اللقاحات إلى الاختبارات والتشخيص والعلاجات الجديدة.
لكن امتلاك الأدوات لا يعني بالضرورة الانتصار.
فالاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة العلم على إنتاج دواء جديد فقط، إنما في قدرة العالم على إيصال هذا الدواء إلى طفلٍ قد تبدأ حياته بمعركة مع مرض قديم، وكان يمكن إنقاذه بإجراء بسيط، وجرعة صحيحة، ونظام صحي لا يتركه وحيدًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك