دراسة حديثة أعدها الباحث المصري الدكتور أحمد عوض المتخصص في علوم الفلك الأثري، تناولت أسرار مقبرة توت عنخ آمون وتفاصيل انتقال الحكم، إذ تطرق الباحث إلى كشف أثري وفلكي يفك لغز الأيام الأخيرة في حياة الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون، الذي يقع جثمانه في مقبرته الشهيرة بوادي الملوك غرب مدينة الأقصر، وتطرح الدراسة أدلة تثبت أن هذه المقبرة لم تُبنَ بشكل عشوائي، بل صُممت لتكون مسرحًا كونيًا سياسيًا استهدف شرعنة عملية اغتيال واغتصاب للسلطة وُصفت بأنها الأدهى في العالم القديم.
وتم استعراض نتائج أسرار مقبرة توت عنخ آمون خلال المؤتمر الثالث عشر لمركز دراسات البردي والنقوش بجامعة عين شمس، حيث اعتمد الباحث على برامج الحاسب الآلي المتخصصة لتفكيك شفرة التوجيه الفلكي للمقابر الملكية، مؤكدًا أن المصري القديم شيد المقابر وفق مفاهيم عقائدية تضمن الوصال الدائم مع حركة الشمس باعتبارها المعبود الرئيسي، لتمثل المقبرة مسارًا كونيًا يرافق فيه الملك المتوفى المعبود «آمون رع»، ما يتمم شعائر بعثه الإلهي ويضمن انتقال العرش لخليفته الشرعي بما يحفظ استقرار النظام الكوني، بحسب ما ذكر موقع «سكاي نيوز».
وتوضح الدراسة أن مقبرة توت عنخ آمون طُوعت علاقتها بالأجرام السماوية لاختلاق تفويض إلهي يشرعن انتقال العرش منه إلى خليفته الملك «آي»، وذلك من خلال ظاهرة فلكية تُعرف باسم «اتحاد الثورين» أو «SNSN K3WY» باللغة المصرية القديمة، ويُقصد بهذه الظاهرة اصطفاف القمر البدر عند شروقه على استقامة واحدة مع الشمس وقت غروبها في أيام محددة تتكرر كل 19 عامًا، وهي ترمز في المعتقد الديني القديم لانتقال السلطة الإلهية من معبود الشمس «رع» إلى نائبه معبود القمر «جحوتي»، كما تمثل انتقال شرعية العرش من الملك المتوفى «أوزير» إلى وريثه «حورس».
أسطورة تنازل رع عند العرشوتشير الدراسة إلى أن هذه الظاهرة تتوافق مع نصوص كتاب «البقرة السماوية» الذي ظهر لأول مرة على المقصورة الخشبية للملك توت عنخ آمون، وهو كتاب يسرد أسطورة تنازل «رع» عن العرش لـ «جحوتي» بعد انتصاره على المتمردين، وقد جرى تخليد هذه المفاهيم في معابد الكرنك وإدفو وأبو سمبل ودندرة ودير الحجر، ليصبح التوافق بين النص الديني وحركة السماء قانونًا حاكمًا للعمارة المصرية.
وكشفت الدراسة أن أول تحقق لهذه الظاهرة وقع بالفعل في الثاني من أبريل عام 1322 ق.
م، وهو العام المرجح لنهاية حكم توت عنخ آمون وبداية حكم «آي»، حيث اصطف شروق القمر مع غروب الشمس على محور حجرة الدفن بمقبرة الملك الذهبي، وتزامن ذلك مع حدوث الظاهرة نفسها في معبد إدفو الذي يحمل دلالة لاهوتية على انتصار «رع» و«حورس» واستحقاقهما للعرش.
وفي نفس العام 1322 ق.
م، تكررت الظاهرة في 30 يونيو على المحور الرئيسي لحجرة الدفن بمقبرة الملك «آي»، وكذلك على المحور الرئيسي لمعبد الكرنك الذي يجسد العرش الإلهي، وتؤكد الدراسة استحالة حدوث هذه التوافقات مصادفة، خاصة مع معاناة توت عنخ آمون من أمراض أعاقت مهامه الملكية وإقامة طقوس عيد «سد»، مما أحرج النظام الكهنوتي وجعلهم يدبرون للتخلص منه مع إضفاء صبغة شرعية ومباركة إلهية على ذلك، وقد اعتبرت المقبرة بتنسيق مسبق مسرحًا لطقوس التوريث، وتحديدًا طقسة «فتح الفم» الموثقة على جدران حجرة الدفن، والتي مكنت «آي» من تتويج نفسه بشرعية إلهية في يوم اصطفاف القمر مع الشمس.
تفاصيل انتقال الحكم في مصر القديمةتستعرض الدراسة تحليلا دقيقا يعتمد على الحسابات الفلكية والزمنية، موضحة أن دورة اصطفاف الأجرام السماوية المذكورة لا تتكرر إلا كل 19 عامًا، وبالنظر إلى أن طقوس التحنيط المصرية القديمة كانت تُلزم بمدة زمنية صارمة تصل إلى 70 يومًا، فقد استنتجت الدراسة أنه كان لزامًا تنفيذ جريمة التخلص من الملك توت عنخ آمون في توقيت محسوب بدقة بالغة باليوم والساعة؛ وذلك لضمان وقوع الجريمة قبل موعد الاصطفاف الفلكي بمدة كافية تتوافق تمامًا مع مفاهيم الشعائر الجنائزية وطقوس البعث التي كانت سائدة في ذلك العصر.
ويتعزز هذا الاستنتاج بشواهد بيولوجية دامغة تحول الفرضية إلى حقيقة، حيث أثبتت الدراسة أن أكاليل الزهور التي عُثر عليها داخل تابوت الملك الذهبي تنتمي لفصائل نباتية لا تُزهر في الطبيعة المصرية إلا خلال أواخر شهر مارس وبدايات شهر أبريل؛ وهذا الشاهد النباتي القاطع يؤكد بدوره أن عملية الدفن قد تمت فعليًا في موعد محدد ومدروس يقترن بالظاهرة الكونية التي خُطط لها سلفًا لتمرير عملية اغتصاب السلطة.
كما تضع هذه الهندسة الزمنية المحكمة تفسيرًا نهائيًا للغز التاريخي الذي ظل يكتنف أسباب قيام القائد «حورمحب» بتدمير مقبرة سلفه الملك «آي» ومحو اسمه وإبادة أي ذكر لورثته من السجلات؛ إذ تشير الدراسة إلى أن «حورمحب» قد أدرك بوضوح أن مصدر قوة شرعية «آي» يكمن في تلك الزوايا الفلكية التي ربطته بالسماء، فاعتبر تدمير المقبرة بمثابة عملية تفكيك لهذه «الآلة الكونية»، وقطعًا متعمدًا للاتصال الإلهي بين الملك «آي» والأجرام السماوية، وذلك بهدف إسقاط شرعيته المصطنعة إلى الأبد وإنهائها من الوجود التاريخي والعقائدي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك