نواكشوط ـ «القدس العربي»: في قلب الغابات الكثيفة جنوب غرب نيجيريا، وعلى مقربة من مدينة إيجيبو-أودي، يختبئ سرّ عمره قرون، لا تقلّ هيبته عن أعظم عجائب العالم، لكنه ظلّ طويلاً بعيداً عن الأضواء.
هناك، يمتدّ سونغبو إيريدو سورا صامتا يحكي قصة حضارة أفريقية سبقت زمن الاستعمار، وأتقنت فنّ التنظيم والدفاع بطريقة تثير الدهشة.
هذا الموقع، المعروف باسم Sungbo Eredo، ليس مجرد بقايا أثرية عادية، بل منظومة هندسية هائلة من الجدران الترابية والخنادق تمتدّ لأكثر من 160 كيلومتراً، محيطةً بمساحة واسعة كانت تمثّل قلب مملكة إيجيبو القديمة.
وبأعماق تصل في بعض أجزائها إلى نحو عشرين متراً، لم يكن هذا الحاجز مجرد خط دفاعي، بل كان بمثابة إعلان صريح عن قوة سياسية وتنظيم اجتماعي متقدّم، في زمن كانت فيه أوروبا نفسها تبحث عن ملامح الدولة الحديثة.
وراء هذه الأسوار، لم تكن تُرسم فقط حدود الجغرافيا، بل كانت تتشكّل ملامح دولة ناشئة، توحّد بين مجتمعات متفرقة داخل فضاء واحد.
لقد كان سونغبو إيريدو أداةً للدفاع، نعم، لكنه كان أيضاً وسيلة لبناء الهوية وترسيخ السلطة في منطقة الغابات الجنوبية، حيث تتشابك المصالح وتتقد الصراعات.
ورغم أن هذا المعلم يُصنّف من حيث الحجم كأحد أكبر المنشآت الترابية في العالم، بل ويتفوّق في امتداده على بعض رموز الحضارة القديمة مثل أهرامات الجيزة، فإنه بقي لسنوات طويلة حبيس الأدغال، مخفياً تحت غطاء نباتي كثيف، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تحفظ هذا السر بعيداً عن أعين العالم.
لكن ما يمنح سونغبو إيريدو سحره الحقيقي ليس حجمه فقط، بل القصص التي تحيط به: فوفق الروايات الشفوية لشعب الإيجيبو، يعود الفضل في بناء هذا السور إلى امرأة أسطورية تُدعى بيليكيسو سونغبو، وُصفت بأنها أرملة ثرية وذات نفوذ، سخّرت موارد بشرية هائلة لتشييد هذا العمل الجبار.
وتذهب بعض الروايات إلى أبعد من ذلك، إذ تربطها بأسطورة ملكة سبأ، في محاولة لمدّ الجسور بين التاريخ والأسطورة، وإن ظلّ هذا الربط محلّ جدل بين الباحثين.
حتى اليوم، لا يزال الموقع يحمل بُعداً روحياً، حيث يُعتقد أن قبر هذه المرأة الأسطورية موجود في المنطقة، ويستقطب زوّاراً وحجّاجاً من خلفيات دينية مختلفة، في مشهد يعكس استمرارية الذاكرة الجماعية وتأثيرها العابر للزمن.
ومع نهاية القرن العشرين، بدأت الأبحاث الأثرية تكشف تدريجياً عن أهمية هذا الموقع، مؤكدة أن المنطقة كانت تحتضن مركزاً سياسياً واقتصادياً متقدّماً قبل قرون من انطلاق التجارة عبر الأطلسي.
واليوم، تُستخدم تقنيات حديثة مثل الليدار لإعادة رسم خريطة هذا الإرث الضخم، وفهم تفاصيله الدقيقة، في خطوة لا تهدف فقط لاستكشاف الماضي، بل إلى حمايته من النسيان.
وفي النهاية، يذكّرنا سونغبو إيريدو بأن التاريخ الأفريقي لا يُختصر في ما كُتب عنه، بل في ما لم يُكتشف بعد… وأن تحت كل شجرة، قد يكون هناك جدار مجهول يروي حكاية أمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك