تونس ـ «القدس العربي»: تحت ضوء ربيعي دافئ، افتتحت مدينة تستور فعاليات شهر التراث، لا كحدث ثقافي عابر، بل كلحظة مكثفة تتقاطع فيها الذاكرة بالتاريخ، ويتحول فيها الماضي إلى أفقٍ للفهم وإعادة الاكتشاف.
من 18 نيسان/ابريل إلى 18 آيار/مايو، لا تكتفي تونس بالاحتفاء بتراثها، بل تعيد مساءلته، تقرأه من جديد، وتبحث في طبقاته العميقة عن معانٍ تتجاوز حدود الزمن.
إن اختيار مدينة تستور لافتتاح هذه الدورة لم يكن اعتباطيا.
فهذه المدينة، التي برزت أكثر فأكثر في القرن السابع عشر مع الموريسكيين القادمين من الأندلس، ليست مجرد فضاء عمراني مميز، بل هي نص تاريخي حي، رقيم تتراكم فيه طبقات الحضارات من دون أن تمحو إحداها الأخرى.
في أزقتها الضيقة، في بيوتها ذات الأفنية الداخلية، في تفاصيلها المعمارية الدقيقة، تتجاور الذاكرة الأندلسية مع الخصوصية التونسية في حوار صامت، لكنه عميق.
غير أن هذا الحضور الأندلسي في تونس لا يمكن قراءته فقط باعتباره امتدادا لهجرةٍ تاريخية فرضتها تحولات كبرى حصلت في إسبانيا مع نهاية آخر الممالك الإسلامية فيها، بل ينبغي النظر إليه من زاوية أعمق: زاوية الدورة الحضارية.
فالموروث الذي حمله الأندلسيون معهم إلى تونس لم يكن غريبا عن الخضراء في جوهره، بل كان في جانبٍ منه، امتدادا لإرث أقدم، هو إرث قرطاج الذي عبر البحر منذ قرون من تونس الحالية إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، قبل أن يعود، في لحظة تاريخية معكوسة، إلى موطنه الأصلي.
لقد شكلت قرطاج، بوصفها أحد أبرز رموز الحضارة التونسية القديمة، جسرا حيويا لنقل المعارف وأنماط العيش إلى الضفة الشمالية للمتوسط، وخاصة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال).
فمنذ القرن الثالث قبل الميلاد، قاد القائد القرطاجي أميلكار والد حنبعل حملات توسع لم تقتصر على البعد العسكري، بل أسست لوجود حضاري وتجاري قرطاجي متين في إسبانيا.
وقد واصل صهره عزربعل العادل هذا المشروع برؤية أكثر تنظيما، فعمل على ترسيخ النفوذ القرطاجي عبر إنشاء مدن ومرافئ استراتيجية شكلت مراكز إشعاع اقتصادي وثقافي.
ومن أبرز هذه الحواضر قرطاجنة التي حملت اسم قرطاج ذاتها، إلى جانب برشلونة ومالقة، حيث ازدهرت المبادلات التجارية وانتقلت تقنيات الزراعة والري والتنظيم العمراني.
ولم يكن هذا الحضور مجرد استعمار اقتصادي، بل ساهم في نقل عناصر من الحضارة القرطاجية إلى إسبانيا والبرتغال، من اللغة إلى الحرف، ومن أنماط البناء إلى أساليب إدارة المدن.
وهكذا، يمكن القول إن قرطاج لم تكتفِ بتوسيع مجالها الجغرافي، بل أسهمت في تشكيل ملامح حضارية في غرب المتوسط، ستتفاعل لاحقًا مع روافد أخرى لتنتج ما عُرف بالحضارة الأندلسية، في مسار تاريخي دائري يعيد وصل الضفتين عبر قرون متعاقبة.
وبهذا المعنى فإن الإحتفاء بالتراث الأندلسي في تونس، وفي شهر التراث، هو عودة الذاكرة إلى أصلها.
فقرطاج، التي كانت يوما ما قوة بحرية وثقافية كبرى وحاضرة ديمقراطية بنظام حكم استثنائي أشاد به الفيلسوف الإغريقي أرسطو، لم تكتفِ ببسط نفوذها التجاري، بل ساهمت في نقل أنماط عيش، وتقنيات زراعية، وأشكال معمارية، وأساليب تنظيم حضري إلى الضفة الشمالية للمتوسط.
وحين سقطت الأندلس، وعاد أهلها إلى شمال أفريقيا، لم يكونوا يحملون فقط ذاكرة المنفى، بل كانوا، من حيث لا يدرون، يعيدون جزءا من تاريخ تونس إليها.
وبالتالي تبدو تستور أكثر من مدينة، إنها لحظة التقاء بين مسارين تاريخيين، بين ذهابٍ قديم وعودة متأخرة، بين تأثيرٍ أولي واستعادة لاحقة.
ولذلك، فإن قراءة عمرانها لا تقتصر على تحليل هندسي، بل تنفتح على فهم أعمق للزمن بوصفه حركة دائرية، لا خطا مستقيما.
فالمدينة، بتخطيطها الشبكي المنتظم، وببيوتها المنفتحة على الداخل، وبموادها التقليدية من طوب وخشب وقرميد، تعكس قدرة فريدة على التوفيق بين الذاكرة والتكيف.
لا شيء فيها استنساخ جامد، بل كل شيء إعادة تشكيل، وترجمة لروحٍ حضارية في سياق جديد.
وهنا تكمن فرادتها، أي في كونها مدينة-تحوّل، لا مدينة-نسخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك