بيروت ـ «القدس العربي»: قبل أن تحتل الصورة الصحافية بمميزاتها الراهنة المتطورة والسريعة مكانتها عالمياً، ثمّة صور في التاريخ الإنساني تحتل الذاكرة.
وللأسف هي صور تحكي آلام الناس وعذاباتهم في عالم يحكمه قتلة ومصاصو دماء ومغتصبو أطفال.
ليس عبثاً أن تفوز فلسطين بالكثير من الصور، وبالعديد من المسابقات العالمية.
صور تروي آثار البربرية الصهيونية على أجساد الأطفال وأرواحهم.
واللافت هو تعليق الفائزين: «إنها ليست تدعو للاحتفال».
على مدار الأزمان تُشكّل الصورة وسيلة لفهم الحقيقة، ولفهم العالم من خلال الحواس، وتترك أثرها على الذاكرة والعاطفة.
في يوم واحد وردت في وسائل الإعلام صورتان من فلسطين تظهران الوجه القبيح للاستعمار الصهيوني.
صورة نشرتها جريدة «القدس العربي» على صفحتها الأولى للحظة فتح صندوق حاوية نفايات على الحدود بين أراضي فلسطين 1948 والضفة الغربية ليظهر في داخله عشرات العمّال الساعين للقمة عيشهم.
وغابة من الهواتف المحمولة تُصوّب نحوهم.
والصورة الثانية تصدرت غلاف مجلة «لاسبرسو» الإيطالية وتظهر جندياً مستوطناً يصوب هاتفه نحو امرأة تمرّ بقربه في الضفة الغربية.
صورتان تظهران سلوك وتداعيات الاستعمار الصهيوني شكلتا موضوعاً لتحقيق بحث في أثرهما على العين:الدكتورة نهوند القادري: إنه عنف الاستيطان المتفلت و«نزع الإنسانية عن الفلسطيني»في قراءتها للصورتين قالت الأستاذة الجامعية والباحثة في علوم الإعلام والاتصال الدكتورة نهوند القادري عيسى: هاتان الصورتان اللتان تعبران عن عنف الاستيطان وانفلاته من أي عقاب أو مساءلة، ليستا سوى جزء يسير من ملايين الصور، التي طُمست أو تاهت في غياهب النسيان، والشاهدة على الانحطاط الأخلاقي الذي اتسمت به حقبة ما سمي بالحداثة المتقدمة.
هذه الحقبة شهدت تغولاً للرأسمالية المتوحشة المنفلته من عقالها والتي جسدتها الصهيونية المتطرفة بأبشع صورها.
خصوصاً وأنه بفعل التطور التكنولوجي والاتصالي المتسارع تم العمل على خلخلة البنى والهياكل الهرمية بما فيها المواثيق والاتفاقات والقوانين والمعاهدات الدولية، وافرغت الديمقراطيات من مضامينها، وتعاظمت الفردانية، وتآكلت المعاني، وتآكل المجال العام وغدا مسرحاً للفرجة والمراقبة والاستهلاك الرمزي.
وفَقدت القيم الأخلاقية قدرتها على التوجيه، لاسيما وأن الرأسمالية بصيغتها المتأخرة تظافرت مع التكنولوجيا والعقل الأداتي، فهيمن منطق السوق على مجالات الحياة كافة.
وتسيدت تعابير «النهايات» و«الما بعديات» و«الموت» (ما بعد الحقيقة، نهاية الايديولوجيا، نهاية الصراع الطبقي، موت الإنسان، موت الأخلاق…الخ).
وأضافت القادري: هذه المنظومة الاتصالية غدت محكومة بازدواجية قاتلة عبرت عنها صورة المستوطن الذي يحمل السلاح بيد والهاتف بيد أخرى، يصور الفتاة المحجبة ليوصل إليها رسالة انها تحت المراقبة والملاحقة.
وأن تتصدر تلك الصورة غلاف مجلة «لاسبريسو» هو بمثابة فضح للأساليب المعتمدة بحق السكان الآمنين.
ما يعني ان استغلالهم للتكنولوجيا ارتد عليهم وفضح أساليبهم، على طريقة طابخ السم آكله.
وهذا ما أشعرهم بأنهم بفعل إمعانهم في الإبادة بدأوا يفقدون القدرة على تعريف الواقع كما يحلوا لهم، وبدأت تتخلخل قدرتهم في السيطرة على المعنى.
وبدأت مقولتهم المتمثلة باتهام كل من ينتقد أساليبهم بمعاداة السامية تهتز أمام بشاعات ارتكاباتهم المشينة بحق الإنسانية.
وقرأت القادري في صورة العمّال التالي: أما صورة التنكيل بالعمال الساعين للقمة العيش منتقلين في حاوية نفايات فتصنف في خانة «نزع الإنسانية»، والتي أسهمت العولمة النيوليبرالية والتقنيات الحديثة في إعادة تشكيل الإنسان لا بصفته ذاتا أخلاقية، بل كرقم وعبء أو فائض يمكن التخلص منه.
فالعنف يتعاظم حين يتوقف مرتكبه عن رؤية الآخر إنساناً، وهو لا يتجسد فقط بالسلاح، بل باللغة والتصنيف والتأطير الذهني.
فنزع الإنسانية ليس مجرد انحراف فردي للمستوطنين، بل بنية فكرية أنتجتها المجتمعات عبر الخطاب والتعليم والإعلام والسياسة والاقتصاد.
وما تعابير «حيوانات بشرية» على لسان مسؤولين إسرائيليين سوى أمثلة بسيطة من كم التصنيفات والتلاعب بالألفاظ عبر التاريخ.
وخلُصت الدكتورة القادري للقول: للأسف أغفل معظم الإعلام العربي من حيث يدري أو لا يدري الدعاية الصهيونية التي تغلغلت في مفاصل الحياة وعلى مختلف الصعد.
وكان من نتائجه أن روّج البعض لحالة العجز والانهزام وعدم القدرة على المواجهة، معتبراً تفوق القاتل حجة ضد الضحية.
وبما أن العالم أصبح يميل لعدم تصديق روايتهم، وأن السحر قد ينقلب عليهم عاجلاً أم آجلاً، فإن ما نخشاه ان تتعاقب الصور أمام ناظرينا، ننفعل بصددها، ترعبنا، تخيفنا، تغضبنا، وتتركنا لعجزنا.
أي تدفع بنا نحو المنطقة الوسطى التي نخالها آمنة خالية من المخاطر وبالتالي خالية من المعنى، وتبقينا حائرن أمام الأسئلة الصعبة: من نحن؟ ماذا نعرف عن حقوقنا؟ من يملك تعريف الحق؟أيهم السهلي: صور تؤجج الصراع الهامشي وتعطل الجوهر وهو الاحتلالوقال الكاتب ومساعد باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية أيهم السهلي: وهل حياتنا إلا صورة وكلمة؟ في هذه الأيام تحديداً، الصورة هي التاريخ، وهي الإشارة إلى الحدث.
ومنذ عامين في فلسطين نعيش، نحن الذين لسنا في غزة تحديداً، على أثر الصورة التي تنقلها وسائل الإعلام المختلفة، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي.
كل الصور التي أتت من هناك ساهمت في تجديد الفهم للصراع القائم، وأعطت دافعية للتعمق في معنى وجودنا، ونحن نشاهد صور الموت يومياً، وصور المجوّعين في قطاع غزة، وصور الأطفال الذين نالت منهم القذائف والقنابل والأمعاء الخاوية.
وأضاف: كل هذه الصور بعد حين لم تعد مؤثرة بقدر ما كانت سبباً لتخدير مشاعر البعض، وسبباً لإشاحة النظر عنها قدر المستطاع، فربما تمكّن أحدنا من النسيان.
اليوم خفت «ضجيج» غزة في وسائل الإعلام، فباتت تأتي صور من باقي أنحاء فلسطين.
وكانت الصورة التي نشرتها مجلة L’Espresso الإيطالية على غلافها، وهي تظهر مستوطنا مسلحا في الضفة الغربية وامرأة فلسطينية مرعوبة ربما، تحت عنوان L’abuso «الانتهاك» كما تداولتها وسائل إعلام مختلفة.
وصورة أخرى لشاحنة قمامة، أوقفتها شرطة الاحتلال، وفيها نحو 68 رجلاً فلسطينياً يجربون الدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948، حيث إسرائيل، وحيث لقمة العيش لهؤلاء وغيرهم ممن كانوا يعملون في داخل الداخل، حيث الأجور أعلى وتكفيهم لسد رمق عائلاتهم.
وتابع: إحدى مشكلات الصورة والكلمة القادمة من أماكن الحروب، أو من أماكن فيها احتلال، أنها تحتاج إلى تفسير، بمعنى آخر الصورة لم تعد بألف كلمة.
الألم الذي في الصورتين، وكذلك الألم في الصور الآتية من السودان يحتاج إلى تفسير وتوضيح، ولعل البعض قرأ تعليقات تندد بالفلسطينيين الذين يعملون لدى الاحتلال، بالتلميح أحياناً أو القول المباشر، بأن هؤلاء يتعاملون مع الاحتلال، ومرد ذلك قلة المعرفة بما يحدث في هذه البلدان، وفي فلسطين تحديداً.
واللجوء في المعرفة إلى «الوجبات» السريعة والجاهزة التي تقدمها بعض المنصات في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تبتر الأخبار والمعلومات لتتلاءم مع طريقة تقديم المحتوى، ولتضيع مع الوقت الكثير من المفاهيم والقيم الصحيحة.
وخلُص للقول: أما الألم الحقيقي في الصورتين، فهو الواقع الذي أدى بالعمال أن يختبئوا عن سلطات الاحتلال بسيارة نقل القمامة للعمل عند الاحتلال، لكن الغائب في هذه الصورة هو تواطؤ مهرب إسرائيلي من أجل تهريبهم، ليس حباً بهم، بل في الغالب تنفيذاً لاتفاق تاجر إسرائيلي مع تاجر بشر فلسطيني.
فما يجمعهما المال، والشراكة الإجبارية في أرض أحدهم يحتلها والآخر يكذب بأنه يرفض الاحتلال.
كل يوم في فلسطين هناك مئات المشاهد التي من شأنها أن تجعل حياتنا حزينة إلى الأبد، لمجرد أننا عاجزون، كمشاهد المسجد الأقصى (لمن تابع) وهو مغلق لأكثر من شهر من قبل الاحتلال، عدا عن الانتهاكات اليومية للقدس التي تتسارع عملية تهويدها.
فكم تشغلنا صور الأرشيف للأماكن في فلسطين، لكن لم تعد صور الحاضر تشغل أكثرنا إلا من أجل تأجيج صراع هامشي لا يقدم ولا يؤخر، لكنه فعلياً يعطل النقاش في الجوهر، وهو الاحتلال.
الدكتورة لينا رياشي: إدراك الصورة مشحون بخلفية ثقافة ونفسيةوكان حوار مع الدكتورة لينا رياشي حداد عضو نقابة النفسانيين ورئيسة قسم «الرفاه النفسي والجسدي» في «نفسانيون» لتبيان الأثر النفسي للصورة:○ كيف تتعامل عين الإنسان من النظرة الأولى مع الصورة الصحافية ذات الطابع الإنساني؟• تلمح العين الصورة وتفسرها مروراً بمراحل ثلاث سريعة، أولها الانتباه البصري.
إن كان وجهاً تلحظ العين، العيون في الصورة، والحركة، وتوتر الجسد، وتنجذب للتباين القائم في الصورة من ظل ونور، وألوان أبيض وأسود وغيره.
والمرحلة الثانية هي المعالجة الانفعالية السريعة للصورة.
وهنا تقيِّم اللوزة الدماغية الصورة سريعاً، وتعطي الجواب إن كانت تتضمن خطراً، أو وجعاً أو معاناة.
فالصورة الإنسانية تفعِّل التعاطف والصدمة.
وتكمن المرحلة الثالثة في إعطاء المعنى ومن خلاله ينطلق المتلقي رابطاً الصورة بخبراته السابقة.
فرؤيته لطفلٍ خائفٍ، تعيده لموقف مماثل في طفولته.
إدراك الصورة من المؤكد ليس حيادياً، بل مشحوناً بخلفية نفسية وثقافية، وتجارب الماضي الشخصي والجماعي.
○ هل يختلف وقع الصورة على المتلقي؟ وما هي العناصر التي تحتّم هذا الاختلاف؟• أكيد.
سبق القول إن وقع الصورة ينطلق من التجارب الشخصية، وعوامل متعددة، مرتبطة بالصورة نفسها، وإن كانت تتضمن تعبيراً انفعالياً من بكاء وخوف ووجع.
أي انها تتضمن رموزاً إنسانية قوية كشخص جريح، أطفال وأمهات، إلى التكوين الفني للصورة وزاوية التقاطها، والإضاءة، ومدى قربها وبعدها.
كذلك ما تتضمنه من عناصر صدمة ومفاجأة، وعوامل مرتبطة بالمتلقي، فمن عايش الحرب يتأثر أكثر من سواه.
ولخلفية المتلقي الثقافية والدينية، وعمره ونضجه النفسي أثره، إضافة لسياق وجود الصورة، وإن كانت مرفقة بقصة، ومعروضة على وسائل التواصل أو في الإعلام.
وإن كانت هناك صورة شبيهة للتي هو بصددها.
فالتعرّض المتكرر للصورة قد يؤدي لتعاطف متزايد أو العكس، كالتبلد الانفعالي.
○ بعض الصور ترسخ في الذاكرة الإنسانية العامة وتبقى لأجيال.
ما هي العناصر النفسية التي تخلدها؟• لا شك بوجود عناصر تجعل الصورة خالدة نفسياً، أولها الشحنة النفسية العالية المرافقة لمشاهدة الصورة.
وتصاعد المشاعر من خوف وحزن وصدمة حيال صورة ما، ما يزيدها رسوخاً في الذاكرة، ولنشاط الذاكرة الإنسانية دورها.
ويتمثّل العنصر الثاني بالبساطة والرمزية، كوجود طفل واحد في الصورة يرمز لمعناة شعب كامل.
ورؤية طفلٍ من غزّة نستعيد معه كامل المعاناة التي عاشها أهل القطاع.
وقد يتماهى الإنسان مع الصورة ويرى نفسه فيها، أو إبنه أو حفيده، وهذا مؤثر.
كذلك التناقض الذي قد تعبر عنه الصورة كأن تُظهر أذى يلحق بطفل، وهكذا تظهر معادلة البراءة مقابل العنف.
الحياة مقابل الموت.
تناقض يولد صدمات معرفية لدى الإنسان.
ثمّ التوقيت التاريخي للصورة، فعندما تولد في لحظة مفصلية تصبح وكأنها وثيقة جماعية.
ومن شأن الانتشار الإعلامي وتكرار نشر الصورة أن يعزز الذاكرة الجماعية.
صورة العمّال في شاحنة النفايات تقوم على الاكتظاظ القسري، وفقدان السيطرة، وفقدان الحدود الفردية بوجود الأجساد المتلاصقة، وحركة فوضوية سببها الإحساس بالتهديد.
الوجوه غير واضحة وكأنها محو للهوية الفردية، وانعدام للأنسنة، إلى الهلع الجماعي.
وهنا يشعر من ينظر للصورة بالاختناق، والتوتر الحاد الذي ينتقل إليه مباشرة عبرها.
وهكذا تتفعّل لدى المتلقي العدوى الانفعالية، فيشعر المشاهد بالضيق وكأنه داخل المشهد.
وفي العلاقة بين الداخل والخارج، فداخل الشاحنة فوضى وضغط واكتظاظ، وخارجها أشخاص يراقبون ويلتقطون الصور.
وهذا ما يولد شعوراً بالظلم، وتساؤلاً أخلاقياً عن الفارق بين الفاعل والضحية.
هذه الصورة رمز للإذلال الجماعي، وتمثيل لفقدان الكرامة الإنسانية.
أثرها على المتلقي صدمة مباشرة، وتعاطف ممزوج بالغضب.
وكما سبق القول قد يحدث لديه إنكار أو تمايز بالعواطف.
أما البنية النفسية للمشهد في صورة المستوطن فثنائية وحادة جداً.
شخص مبتسم مسيطر، مقابل شخص حزين ومهزوم ومنسحق.
مشهد يولد تناقضاً أخلاقياً صادماً.
ابتسامة الشخص المسيطر خلال التقاطه للصورة تشويه للإدراك الأخلاقي، بينما تنظر الفتاة جانباً بانسحاب وحزن واضحين، وانعكاس للانكسار والخضوع والشعور بالعجز.
وجود العجز يحول الحدث إلى محتوى، وينقلنا من الألم الذي تعيشه الضحية إلى استعراض يعيشه المعتدي، وهو تسليع للمعاناة.
التأثير النفسي على المتلقي يثير غضباً أخلاقياً قوياً، وإحساساً بإنعدام العدالة.
إنها صورة قوية تجمع بين الألم واللامبالاة.
الصدمة كانت موجودة في صورة العمال، إنما كانت جماعية، في حين صورة المستوطن فردية رمزية.
في صورة العمّال يشعر المتلقي بتعاطف جسدي وبحالة اختناق.
والعنصر الأقوى في الصورتين هو الاكتظاظ في صورة العمّال، وفي صورة المستوطن هو التناقض بين الضحية والفاعل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك