منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة مطلع أكتوبر 2023، شهدت الساحة الإعلامية واحدة من أخطر الفترات في تاريخ الصحافة الحديثة، حيث تصاعدت عمليات استهداف وقتل الصحافيين، ما أثار قلقا دوليا واسعا بشأن حرية الصحافة وحماية العاملين في المجال الإعلامي أثناء النزاعات المسلحة.
ويواجه الصحافيون تحديات شديدة تتعلق بالسلامة الشخصية، والحرمان من مقومات العمل الأساسية، واضطرارهم إلى التكيف مع بيئة شديدة الخطورة، ما يزيد من الأخطار النفسية والمهنية التي يواجهها الإعلامي الفلسطيني يوميا.
وتتزايد المخاطر التي تحيط بالإعلاميين، في ظل الاستهداف المتكرر للصحافيين والمؤسسات الإعلامية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة حول حرية الصحافة وحماية المدنيين في مناطق النزاع، وهذا الواقع يعكس بيئة معقدة يعمل فيها الصحافي تحت ضغط القصف والخطر المباشر، بينما يحاول تأدية رسالته في توثيق الأحداث ونقلها إلى العالم.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تواصل إسرائيل خرق الاتفاق، حيث شهدت الآونة الأخيرة تنفيذ عمليات اغتيال ضد صحافيين من غزة، باستهداف مباشر خلال عملهم في الميدان أو قصف سياراتهم الشخصية، في جريمة خطيرة تستوجب تدخلا دوليا وعربيا عاجل.
ومنذ بداية حرب الإبادة على غزة، قتل الاحتلال الإسرائيلي 262 صحافيا من كلا الجنسين، والعدد ما زال مرشحا للزيادة، خاصة في الوقت الذي أصبحت فيه غزة أخطر منطقة في العالم للعمل الصحافي، فهناك تصاعد واضح في استهداف الإعلاميين، كما أن القضية لم تعد فقط أرقاما فقط، بل تحولت إلى معركة على الرواية والحقيقة نفسها.
ويتمثل نمط الاستهداف والملاحقة وفق خطط تبدأ بتوجيه اتهامات وتحريض ضد الصحافيين تمهيدا للقتل، كما يتم الاستهداف بشكل مباشر ومتكرر للصحافيين أثناء عملهم أو داخل مقراتهم باستخدام الطائرات المسيرة، ووصف الاتحاد الدولي للصحافيين غزة بأنها أخطر مكان على الصحافيين، وما يجري من ملاحقة إسرائيلية هو بمثابة استهداف للحقيقة نفسها، كما اتهم الاتحاد إسرائيل بتنفيذ عمليات قتل متعمد أو غير متناسب ضد الصحافيين، ويفند إدعاءات الجيش الإسرائيلي الذي يكرر أن المستهدفين يرتبطون بفصائل مسلحة.
وقبل أيام قليلة، استهدف الاحتلال الإسرائيلي الصحافي محمد وشاح مراسل قناة «الجزيرة مباشر» في غزة، بقصف سيارته أثناء عودته من العمل في طريقه إلى منزله ما أدى إلى استشهاده، ولم تمض أيام إلا واستهدف الاحتلال الصحافي إسلام قنيطة، أثناء ممارسة عمله وسط مدينة غزة، هذه الاستهدافات لم تقتصر على الصحافيين في غزة فقط، بل أن الصحافيين في مناطق الضفة الغربية هم عرضة للقتل والاعتقال بهدف طمس الرواية والتمادي في الجرائم بعيدا عن الإعلام.
ويظهر التصاعد الحاد في اغتيال الصحافيين نمطا مقلقا ويطرح تساؤلات جدية حول احترام القانون الدولي الإنساني وحرية العمل الصحافي، ومع استمرار غياب المساءلة، يخشى أن تتحول هذه الظاهرة إلى سابقة خطيرة، تهدد الصحافة في مناطق النزاع حول العالم.
يقول مدير نقابة الصحافيين الفلسطينيين في غزة الدكتور عاهد فروانة، «يصعد الاحتلال منذ بداية الحرب قتله للصحافيين، بهدف طمس الرواية والحقيقة التي ينقلونها إلى العالم، في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال عمليات الكذب لتبرير جرائمه، لكن التغطية الميدانية ونقلها بكل الوسائل إلى العالم أحرجت الاحتلال ودعمت السردية الفلسطينية، وجعلته ينتقم من الصحافيين بالاستهداف المباشر».
وأضاف فروانة لـ«القدس العربي» أن «عمليات القتل المتواصلة للصحافيين، تؤثر على التغطية الإعلامية وسهولة توصيل معاناة الغزيين إلى العالم الخارجي، كون الإعلاميين الذين يتم اغتيالهم يعملون في قنوات وصحف دولية مهمة، وكان لهم دور كبير في التغطية ونقل المعاناة، يضاف إلى ذلك أن الصحافيين أصبحوا يعانون من الخوف والترهيب، وهذا يؤثر على مجريات عملهم في الميدان».
وبين أن «الصحافيين يواجهون صعوبة في اللوجستيات، ومنها بيئة عمل مناسبة بسبب قصف وتدمير مقرات عملهم، إلى جانب ضعف شبكات الاتصال وانقطاع التيار الكهربائي وصعوبة التنقل والحصول على أدوات السلامة، وهذه المعيقات الاحتلال هو المتسبب بها، لذلك يعمل الصحافيون في بيئة معقدة من داخل الخيام والمستشفيات والشوارع ومراكز الإيواء، وهذا ما يغيظ الاحتلال ويجعله يتمادى في ملاحقتهم».
ولفت إلى أن «نقابة الصحافيين وبالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين، رفعت دعاوى إلى محكمة الجنايات الدولية، وذلك بتقديم مجموعة من الملفات التي تكشف عن جرائم ارتكبت بحق الصحافيين في غزة، لكن هناك مماطلة من قبل المحكمة في فتح الملفات ومحاسبة الجناة من قادة الاحتلال، وحماية الصحافيين الذين يصنفون بأنهم مدنيون، لكن رغم المماطلة إلا أننا متواصلين في ملاحقة الاحتلال، إلى حين توفير الحماية الكاملة للصحافيين».
وأوضح أن «عدد الصحافيين الذين قتلوا منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 هم الأكثر في تاريخ الصراعات العالمية، وهذا يدلل على أن الاحتلال وبشكل ممنهج، تعمد استهداف الحقيقة خلال الحرب، حتى أن المقرات الإعلامية قد دمرت جميعها منذ الأيام الأولى من الحرب».
يشار إلى أن الاستهداف لا يهدد حياة الأفراد فحسب، بل يقوض أحد أهم ركائز العدالة الدولية، وهي الحق في الوصول إلى المعلومات، فغياب التغطية الإعلامية المستقلة، يفتح المجال أمام طمس الأدلة، ويمنح مرتكبي الانتهاكات مساحة أوسع للإفلات من المساءلة، وعليه فإن حماية الصحافيين ليست مسألة إنسانية فقط، بل هي ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان كشف الحقيقة ومنع تكرار الجرائم، فحين يستهدف من ينقل الصورة، تصبح الصورة نفسها مهددة بالاختفاء، ويصبح الصمت شريكا في الجريمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك