حين يصل مشروع قانون إلى مجلس الشورى، فإنه يصل إلى المؤسسة الدستورية التي عرفت بدورها في التدقيق والإحكام، حيث تراجع النصوص بميزان الأثر لا بعجلة الإقرار.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى المجلس الموقر في دراسة مشروع قانون المحاماة؛ لما تمثله هذه المهنة من شراكة أصيلة في حماية الحقوق وسيادة القانون.
لا خلاف على أن تحديث قانون المحاماة أصبح ضرورة بعد عقود من صدور القانون الحالي، كما يتضمن المشروع بعض الجوانب الإيجابية التي لا خلاف حول أهميتها، من حيث تنظيم الجداول المهنية، ورفع مستوى التدريب، وتنظيم بعض الممارسات المستجدة.
غير أن أهمية المشروع تفرض مراجعة دقيقة لبعض المسائل الجوهرية.
أولها، أن القواعد الأساسية المتعلقة بالقيد، والتجديد، والرسوم، والمسار المهني، يجب أن تكون واضحة ومستقرة في القانون ذاته، لا أن تحال في جوهرها إلى قرارات لاحقة؛ لأن استقرار المهنة يبدأ من استقرار النص.
وثانيها، أن المحاماة رسالة عدلية مستقلة، وأي تنظيم يوسع السلطة الإدارية أو يضعف التوازن المؤسسي وتمثيل أهل المهنة، يستحق إعادة النظر.
وثالثها، أن شروط التأهيل والتدريب مطلوبة، لكن الإفراط فيها قد يحولها من أدوات لرفع الكفاءة إلى حواجز دخول؛ فتضيق المهنة على الكفاءات الجديدة بدل أن تستقطبها، كما أن إعادة القيد بعد الانقطاع يجب أن تراعي الخبرة السابقة، لا أن تساوي بين صاحب الخبرة الطويلة ومن يبدأ الطريق، فضلًا عن أن كثرة القيود الإجرائية قد تنعكس في النهاية على كلفة التقاضي على المتقاضين.
ومن المسائل التي تستحق المراجعة كذلك، ربط حق الترافع أمام بعض المحاكم بمدة زمنية ثابتة، على الرغم من أن المحامي المرخص بعد دراسة وتدريب نظامي قد يكون مؤهلًا فعليًا لذلك، بينما يتضرر الموكل بتبديل محاميه عند انتقال الدعوى إلى درجة أعلى.
ومن المهم أيضا ضبط مفهوم الاشتغال الفعلي؛ حتى لا تتضرر أعمال قانونية حديثة كأعمال التحكيم، والتقاضي البديل، والاستشارات، والصياغة التعاقدية.
كما أن باب المساءلة التأديبية والعقوبات يحتاج أعلى درجات الدقة؛ فحماية المهنة لا تكون بجزاءات واسعة فحسب، بل بتدرج واضح وضمانات عادلة، وتفرقة دقيقة بين انتحال الصفة الحقيقي والمخالفات المهنية والتنظيمية، لاسيما أن المشرع في جرائم أشد مساسا بالنظام العام يحرص على تحديد صور التجريم وضبطها.
ومن المسائل التي تستحق المراجعة كذلك، النصوص العامة أو المطاطة، أو التي تحيل إلى اللوائح والقرارات اللاحقة دون ضوابط كافية.
والاستفادة من التجارب المقارنة أمر محمود، لكن مجرد وجود النص في الخارج لا يعني نجاحه أو صلاحيته من الأصل؛ فالتشريع الناجح لا يستنسخ، بل يصاغ بما يناسب واقع البحرين واحتياجاتها.
إن مجلس الشورى أمام فرصة حقيقية لصناعة قانون يطور المهنة دون أن يقيدها، ويعزز العدالة دون أن يثقل طريقها.
*محامٍ بحريني ومستشار قانوني ومحكم تجاري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك