ما هي العلاقة الحقيقية بين السياسة وتأسيس المجتمع الذي نعيش به؟ وهل هي ما نشاهده في الإعلام الذي تبث فيه آخر الأخبار والتصريحات المختلفة من هنا وهناك عن الأهداف والمصالح التي تنهض وتتحرك خلف الستار؟ أم هي علاقات من خارج الحدود ومناهج ينتهجونها حسب نظم مدروسة للدول للسير عليها؟ فالسياسة ليست مجموعة من نظم الحكومات والوزارات والبرلمانات، وليست خُطبا وقوانين، بل هي مجموعة متكاملة من كل هذا وذاك، وإذا ما تم الانسجام وأصبح بينها توافق عاش الناس بطمأنينة وفرح، لكن من الأهمية بمكان أن يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، كلٌ حسب خبرته وتخصصه، ومن هنا نرى تواؤم المجتمعات الناهضة بالعلاقات الصحيحة.
ولكن هناك من يتصور أن من يعملون بالسياسة منفصلون عن المجتمع، وأنهم متخصصون بالأحزاب والنخب، لكن الحقيقة أن السياسي لا يمكن أن يبتعد عن النتائج السياسية في المجالات الحياتية كافة؛ فالسياسة جزء من نسيج المجتمع، وهي لا تعيش فقط في المكاتب والقصور الرسمية، بل تنزل الشارع وهي المسؤولة عن المستشفيات والرعاية الصحية والمدرسة وسوق العمل والأسعار والتجارة والمصانع.
إلخ، وحتى في الصعود أو الهبوط الاجتماعي، وحتى عن حالة القلق والطمأنينة التي يعيشها الناس.
وتتأثر السياسة بثقافة المجتمع وتركيبته والطبقية والوعي وطموحات الأفراد وحكامه ومؤسسات الدولة من عدالة منصفة وقضاء عادل وسقف للحريات.
أما مدى تأثير السياسة في المجتمع فيترتب ذلك على الخدمات المقدمة من فرص العمل ودعم المحتاجين والضرائب والأمن والصحة والتعليم.
وهناك تأثير نفسي للسياسة، التي من واجبها أن تساهم في شعور الأفراد بالعزة والانتماء والكرامة في العيش والبعد عن الإهانة أو العجز بالاغتراب لتفضيل الغرباء وتفضيلهم على المواطنين! فإذا ما شعر المواطن بأن صوته لا قيمة له، وأن القرارات والضرائب تُفرض عليه دون تفسير، وأن جهده في محاولاته للتغير لا يُبالى بمصيرها، فالمشكلة لا تبقى سياسية، بل تتحول إلى أزمة اجتماعية وأخلاقية ونفسية؛ ما يغير شروط الحياة ونظرة الإنسان الدونية إلى مجتمعه والتشاؤم من مستقبله، وهي الأخطر أثرًا في عدم تمكن السياسة من اللعب أو التعامل الدقيق والمحبة مع مواطنيها.
وقد يُنهك المجتمع غير المتماسك إلى فئات عدة، ويترك فراغا واسعا أمام من يصدرون القرارات ويملكون دفة الحكم والنفوذ دون خبرات سابقة في التنظيم لإعادة النظر في السياسات لتهدئة المجتمع، والاهتمام أكثر بحاجات الناس الضرورية ومتابعة قلقهم وإحساسهم بالعدالة أو الظلم، وقد تكون السياسة المتبعة انعكاسا لخلل موجود أصلا ما بين فئات المجتمع المتضاربة ثقافيا واجتماعيا، سواء من ضعف الثقة وأزمة الخوف من الحوار والصمت المشحون بالغضب المكتوم.
أما أنواع المهتمين بالسياسة، فمنهم من يتخذها هواية، أو وسيلة للتعرف أكثر على ما يدور في كواليسها، ولفهم التاريخ والعالم، ومنهم من يحترفها ليمتلك القوة في النقاشات والجلسات الحوارية لإبداء الرأي، أو لأنهم يشعرون بالقلق وأن مصيرهم معلق بها، وللبحث عن الطمأنينة في المجتمع لما يدور فيها من توجهات، والمساهمة في تعديل الأنظمة الداخلية وترتيب علاقاتها الخارجية، مدركين أن القرارات الكبرى والأزمات الاقتصادية والحروب كثيرا ما تكون مرتبطة بمصالح وقوى وسياسات تتبعها البلاد للحصول على التوازن المطلوب، ولكن هذا النوع قد يتحول مع الوقت إلى استهلاك للأعصاب؛ ما يولد شعورا دائما بالخطر لعدم قدرتهم على التغيير المنشود.
كما هناك النوع الآخر المتعمق أكثر في السياسة عن دراسة ووعي، ممن لا يتقبل شيئا وهو يتساءل دائما عن أي خبر اقتصادي أو غيره لبعده الاجتماعي، وأن وراء ذلك الخبر بُعدا مخفيا للدولة.
وأحيانا كثرة الفهم قد تكشف عن حجم التعقيد وحجم المصالح المتشابكة وحدود العدالة ما بين الدولة والمجتمع.
وقد تكون السياسة مؤثرة جدا لتداخلاتها في معظم تركيبة المجتمع كما ذكرت، مثل التربية والثقافة والدين والعائلة والتجارب التاريخية وحتى الصحة ومستوى الأداء العام في المجتمع.
إذًا فالسياسة والمجتمع يتداخلان معا في عالم واحد، وهما وجهان لحقيقة واحدة بالكيفية التي تدار بها الأمور وتوزيع القوى دون أن نشعر بهما؛ فإذا فسدت السياسة قد تفسد معظم قرارات المجتمع ويقل الإحساس بالعدالة؛ ما يُضعف قدرات الناس على فهم ما يدور حولهم، ومن هنا نرى أن السياسة ليست تَرفا فكريا فقط لإدارة الأزمات والأفكار السياسية المجردة أو تأسيس الأحزاب، بل هي جزء من مصير المجتمع نفسه الذي يجب الاهتمام به لتكوين شعب على درجة من الوعي والجدارة والتفكير المنسق للتواؤم والتفاعل مع ما يدور حوله.
*طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك