لا تأتي أهمية قمة نيقوسيا الأخيرة من كونها قمة استشارية غير رسمية للاتحاد الأوروبي وجواره المتوسطي، تستهدف عصفاً ذهنياً بلا حدود حول التحديات الشاملة التي يمر بها العالم جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من أزمة طاقة دولية تقترب من تدمير الاقتصاد الدولي، بل من كونها خطوة أولى نحو تكامل إقليمي شامل بين القارة الأوروبية وجوارها العربي والمتوسطي، وإعادة صياغة لعدد من المفاهيم الكلاسيكية القائمة على الصراعات التاريخية والخلافات الثقافية والدينية، والتي وضعت أطراً عتيقة لهذه العلاقة، والتي لم تعد ملائمة لطبيعة التهديدات الوجودية التي يواجهها الطرفان معاً.
وتبدأ رمزية هذه القمة من مقر انعقادها بالعاصمة القبرصية، ظلت قبرص لقرون طويلة جسراً بين أوروبا والشرق الأوسط منطقة تماس ديموغرافية وجغرافية بين عالمين مختلفين، فرضت عليهما الظروف الدولية الحالية ضرورة التعاون وتنسيق كافة المواقف لمواجهة المجهول الذي يستهدفهما معاً، كما تقع العاصمة القبرصية نيقوسيا في القلب من منطقة آبار غاز منطقة شرق المتوسط، والتي ينظر لها الجميع كطوق نجاة موثوق في مواجهة طوفان الطاقة الناتج عن غلق مضيق هرمز، والذي لا يبدو أنه سيعود لوضعه الذي كان عليه قبل الحرب!تبحث هذه القمة عن أجوبة لعدة أسئلة أصبحت ملحة للغاية، أبرزها المواقف من مجموعة الحروب التي أضحت مستدامة، ولا يبحث أحد عن نهاية لها، وكلها أحداث أثرت سلباً على الأمن الاقتصادي لكافة دول العالم، ولكن النصيب الأكبر من هذه المعاناة وقع على عاتق المنطقتين العربية والأوروبية، وذلك لاقتران ذاك الأثر الاقتصادي السلبي بتهديدات جدية باقتطاع أراضٍ من كلا الطرفين، وهو ما يشكل خطورة بالغة على الأمن القومي المشترك، وما جعل مناقشة أمور السيادة عنواناً للقمة، وأحد أهم الموضوعات التي ناقشها الحاضرون.
كما ناقشت القمة أيضاً ملف الطاقة، وضرورة اقتراح عدة محاور جديدة لنقل موارد الطاقة من الحقول في الشرق الأوسط إلى الأسواق في أوروبا، للتغلب على الأزمة اللوجيستية الناجمة عن غلق المضيق، ولهذا يُعتبر التنسيق المشترك في هذا الملف الحيوي خطوة نحو التنسيق في قضايا أخرى، ربما ينتج عنها في المستقبل القريب تحالفات جديدة تغير من وجه العالم القديم، وتلعب دوراً هاماً في الاستقرار الإقليمي.
كما كان الوجود المصري، متمثلاً في حضور السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي في هذه القمة، لافتاً للأنظار، فمصر التي دشنت مؤسسة غاز شرق المتوسط منذ سنوات قليلة، نجحت في فرض نفسها كلاعب محوري ومؤثر في ملف مستقبل الطاقة الدولية، وذلك عبر البنية التحتية المتفردة في تسييل الغاز، بالإضافة إلى الفرص الواعدة الناتجة عن توسع الدولة المصرية في ملف التنقيب عن مصادر الطاقة، والعديد من المشروعات المشتركة مع عدد من الشركاء الاستراتيجيين بخصوص الطاقة المتجددة بمصادرها المتنوعة، إضافة إلى ما قدمته مصر من دلائل على كونها عاملاً مهماً في معادلة الاستقرار الإقليمي، والثقل المصري في مناقشة مختلف الصراعات التي تشهدها المنطقة حالياً.
إن ما يشهده العالم اليوم سبق أن أشار إليه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في خطابه التاريخي أمام منتدى دافوس الاقتصادي، أشار «كارني» إلى أن العالم القديم، بما فيه من ازدواجية في المعايير، وغياب الرقابة عن القوى العظمى الكبرى، قد انتهى بغير رجعة، وأنه على دول العالم أن تجتهد في عقد اتفاقيات ثنائية وشراكات استراتيجية متعددة في هذه الفترة الانتقالية لتجنب السقوط، قمة نيقوسيا هي التطبيق العملي الأول لهذا الرأي، قارب نجاة يحمل أوروبا والشرق الأوسط معاً إلى ضفاف العالم الجديد!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك