عمان- يدخل أحمد (13 عاما) غرفته كل مساء، وعيناه محملتان بتعب وإرهاق وتوتر لا تنتهي.
على طاولته ثلاثة كتب مفتوحة، وفي هاتفه تذكيرات باختبار يوم غد القصير، واختبار آخر بعد غد، والامتحان الشهري الأسبوع المقبل، فيما يقترب الامتحان الفصلي الذي يحتاج لتفرغ وتركيز كبير.
اضافة اعلانلم يعد في ذهن أحمد أي سؤال ترفيهي، كـ" متى يلعب ومتى يلتقي بأصدقائه؟ "، بل بات السؤال الوحيد: " كيف سيستطيع أن ينهي كل ذلك؟ ".
ولا يختلف حال أحمد عن آلاف الطلاب الذين يعيشون تحت وطأة هذا التوتر الذي لا ينتهي، حيث تتقاطع الاختبارات القصيرة مع الامتحانات الشهرية والفصلية ضمن جدول دراسي لا يرحم.
ذلك الأمر يستدعي وقفة أمام ما يجري خلف جدران الفصول الدراسية وما يعانيه الطلبة من إرهاق شديد.
إرهاق نفسي لا يغادر الطلبةوتروي سارة، بنبرة يملؤها الإرهاق، قائلة: " في الأسبوع الواحد أحيانا يكون لدي أربعة اختبارات قصيرة في أربع مواد مختلفة، وفي الوقت نفسه أحضر للامتحان الشهري.
أنام ساعات قليلة، وأصحو خائفة من أن أكون قد نسيت شيئا".
فقدت سارة هوايتها في الرسم منذ بداية العام الدراسي.
وتبين والدتها أن ابنتها لم تمس ألوانها منذ أشهر، وأن البيت كله يعيش على وقع توتر الامتحانات.
أما خالد (15 عاما)، وهو طالب في المرحلة الثانوية، فيجلس في غرفته يحفظ قوانين الفيزياء للمرة الثالثة في أسبوع واحد؛ إذ اجتاز الاختبار القصير، ثم الشهري، وها هو يستعد للفصلي في المادة ذاتها.
ويقول: " أحفظ وأنسى، وأحفظ من جديد.
لا أفهم لماذا نكرر الشيء نفسه ثلاث مرات في فترة وجيزة".
ويعاني خالد من صداع متكرر وصعوبة في التركيز، وقد ذهب إلى المرشد المدرسي بعد تراجع مستواه رغم اجتهاده، الفارق بين اجتهاده وتراجعه يختصره في جملة واحدة، " أنا مش ضعيف، أنا متعب".
الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة يرى أن الخلل ليس في تفصيلة هنا أو أخرى، بل في الفلسفة التي تقوم عليها المنظومة التعليمية؛ إذ بات التقييم مرادفا للحفظ واستنساخ المعلومات، بدلا من أن يكون مقياسا حقيقيا لمهارات الطالب وقدراته.
ويلفت النوايسة إلى تناقض كبير يعيشه الميدان التربوي يوميا؛ فبينما تنادي وزارة التربية بتطوير المهارات وتجويد التعليم على مستوى التوجيهات والوثائق الرسمية، تسير المدارس في الواقع على نهج مغاير، ما يزال يقدم الاختبار على الاستيعاب، والنتيجة على العملية.
وينوه النوايسة إلى أن الطالب الذي لا يشارك في اختيار طريقة تعلمه لا يتعلم في حقيقة الأمر، بل ينفذ.
وهذا وحده كاف لتفسير ظاهرة الحفظ المؤقت وما يعقبها من نسيان سريع.
غير أن الأخطر في تشخيص النوايسة هو الفراغ الذي يعقب النقد؛ إذ لا يقابله بديل واضح المعالم، ما يجعل المنظومة التعليمية تدور في حلقة مفرغة تعترف بخللها ولا تجرؤ على مغادرته.
قلق يتضاعف للفئة بين 12 و17 عاماوتؤكد المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني أن العيادات النفسية تشهد ارتفاعا ملحوظا في أعداد الطلاب بسبب قلق الامتحانات، خاصة في الفئة العمرية بين 12 و17 عاما.
وتوضح" أن التعرض المتكرر لضغط الامتحانات من دون فترات تعاف كافية يفضي إلى ما نسميه الإرهاق المعرفي، حيث يفقد الدماغ قدرته على التخزين والاسترجاع بكفاءة".
وتنبه الكيلاني إلى خطورة ما تسميه" ثقافة الحفظ المؤقت"، إذ يتعلم الطالب أن يحفظ للاختبار ثم ينسى، ما يفقده الثقة بذاكرته تدريجيا ويضعف دافعيته نحو التعلم الحقيقي.
وتؤكد أن المشكلة ليست في الامتحان بوصفه أداة، بل في غياب التنسيق بين المعلمين من جهة، وبين أنواع التقييم من جهة أخرى.
وتبين: " حين تتزامن أربعة اختبارات في أسبوع واحد، فهذا يعني أن كل معلم يعمل في جزيرة معزولة، بمعزل عن الحمل الكلي الملقى على كاهل الطالب، ولا مجال للطالب إلا الدراسة للامتحان بعيدا عن الحياة الأخرى وعيش القلق المستمر".
الامتحان أداة قياس لا مصدر خوفوتشير المتخصصة في علم المكتبات والمعلومات نيفين الوادي، الحاصلة على درجة الماجستير في هذا التخصص، إلى أن الحل يكمن في" خريطة تقييم مدرسية"، توزع على المعلمين في بداية الفصل، تحدد الأسابيع المسموح فيها بالاختبارات وتلك المخصصة للتعلم والاستيعاب، مع تنويع أساليب التقييم لتشمل المشاريع والعروض التقديمية والتقييم الذاتي.
وتؤكد أن الامتحان أداة قياس؛ فحين يتحول إلى مصدر خوف، يفشل في تحقيق غايته التربوية.
وتلفت إلى أن الحالة النفسية والاجتماعية لا تشمل الطالب فقط، بل إن الأهالي أيضا يعانون هذا الضغط، ويشكون منه باستمرار على أمل أن تتغير سياسات المدارس التي تتبع هذا النظام.
تجلس أم محمد، وفي عينيها تعب من نوع آخر؛ فلديها ثلاثة أبناء في مراحل دراسية مختلفة، وجدول امتحاناتهم لا يكاد ينتهي.
فتقول: " كل ليلة واحد منهم عنده اختبار، البيت صار مثل مركز تحضير للامتحانات، ما في وقت للعيلة، ما في وقت للكلام، كل شيء صار امتحانات".
جودة التعليم لا تقاس بكثرة الامتحاناتوتلفت أم محمد إلى أن أصغر أبنائها، البالغ عشرة أعوام، بات يصاب بألم في البطن قبل كل امتحان، وأن طبيب الأسرة أكد أن السبب نفسي بامتياز.
وتؤكد الكيلاني أنه أمام هذه الصور الإنسانية المتكررة، يبقى السؤال مشروعا وملحا: " هل نقيس بالامتحانات مستوى الطالب، أم مستوى قدرته على التحمل؟ وهل التعليم في جوهره يهدف إلى بناء إنسان، أم إلى إنتاج آلة حفظ واسترجاع؟ ".
ووفق قولها، فإن الإجابة تبدأ من الفصل الدراسي، حين يقرر المعلم والمدير معا أن الطالب أمامهما إنسان قبل أن يكون رقما في كشف العلامات.
وتبدأ أيضا من السياسات التعليمية، وبأن جودة التعليم لا تقاس بكثرة الامتحانات، بل بعمق ما يحمله الطالب حين يغادر المدرسة إلى الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك