في عداد الغرائب الكثيرة التي تكتنف حياة الشاعر والمسرحي الإنكليزي وليام شكسبير (1564 ــ 1616) أنه، حسب إجماع لا يخلو من تشكيك وعلامات استفهام، ولد ورحل في تاريخ متماثل: يوم 23 نيسان (أبريل)؛ الأمر الذي صنع مناسبة سنوية فريدة للاحتفاء بالميلاد والوفاة في آن معاً، وبالتالي مراكمة المزيد من البحوث لإماطة اللثام عن أسرار شتى وألغاز، بعضها أقرب إلى الاستيهام والافتراض منها إلى الوقائع الفعلية.
وبين فقرات ورقة شاركتْ في مؤتمر نظمه «المعهد الثقافي العربي» في ميلانو، أواسط هذا الشهر، توقفت هذه السطور عند حوار في مسرحية «العاصفة»، 1611، المشهد الأول من الفصل الثاني، يجمع بين غونزالو وسباستيان وأدريان؛ يظلّ، حتى بعد 415 سنة على ولادة النصّ، محيّراً للعديد من النقاد المتخصصين في مسرح شكسبير، ومدعاة جدل وسجال وتقاطع تأويلات.
الحوار يؤكد، على لسان غونزالو، أنّ ديدو (عليسا، أليسار…) كانت ملكة قرطاج، التي هي تونس المعاصرة لأزمنة شكسبير: «تونس اليوم هي قرطاج الأمس يا سيدي»، يقول غونزالو، وسط دهشة سامعيه.
ما دواعي الحيرة في تأكيد حقيقة تاريخية بسيطة مثل هذه، وعلام يختلف نقاد شكسبير حول تفسيراتها؟ جيري بروتون، في بحث معمّق وطريف تناول مناهضة الاستعمار في «العاصفة»، ويندرج استطراداً في باب دراسات مستجدة ثمينة تقرأ شكسبير في ضوء نظريات ما بعد الاستعمار؛ يستعرض بعض تلك الآراء، وكيف أنها تراوحت بين الإقرار بحسّ شكسبير النقدي المبكر تجاه مشاريع الهيمنة على حضارات المتوسط، أو نزوعه إلى استدعاء/ مخالفة سردية قرطاج كما اقترحها فرجيل في عمله الملحمي «الإنيادة».
لافت، إلى هذا، رأي الناقد البريطاني البارز فرانك كيرمود، كما جاء في تحريره طبعة المسرحية ضمن إصدار آردن الشهير، عالي النفوذ والمصداقية: «من الممكن أنّ إطارنا المرجعي رديء التكيّف، أو هو ناقص، وأنّ استيعابنا لهذه الفقرة سوف يعدّل كامل صورتنا عن المسرحية».
ثمة، بالطبع، مبررات كثيرة استوجبت تلك النقاشات المعمقة حول «العاصفة» تحديداً، أكثر من مسرحيات أخرى عكست علاقات القوّة وتوازنات السلطة وصراع المراكز حيال الهوامش؛ كما في «عطيل» أو «مكبث» أو «الملك لير» أو «يوليوس قيصر» أو «تاجر البندقية» أو «أنطونيو وكليوباترا»، من دون استبعاد «هاملت» أو «ترويض الشرسة» أو «ملهاة الأخطاء» أو حتى «روميو وجولييت».
كانت علاقات التضاد حاسمة، بما تنطوي عليه من صفة تصارعية، بين شخصية بروسبيرو (الملك، السلطة، الحكمة، عالًم الميتافيزيقا والسحر والمزاعم الأنْسُنية…)؛ وكاليبان (المسخ، غير المتطابق مع صورة الإنسان في عرف بروسبيرو وأزمنته، الدخيل على الجزيرة، الكسول…)؛ وما لا يغيب، في عمق المعادلة، ليس أقلّ من ثنائية المستعمِر/ المستعمَر.
وبهذا المعنى، أي في ضوء قراءة تتقصد الاستئناس بنظريات ما بعد الاستعمار، لم يكن استحضار تونس الحديثة/ قرطاج القديمة سوى واحدة من طرائق شكسبير في تلمّس فلسفة التفوّق والغزو والهيمنة، الآخذة في التشكل بتؤدة ومنهجية وتصميم في قلب الإمبراطورية الإنكليزية.
ومدارس التحليل الأدبي الذي تعتمد المادية التاريخانية، على غرار منهجيات ستيفن غرينيلات (في «مفاوضات شكسبيرية»، 1988، مثلاً)، لم تتأخر عن توفير قراءات مكمّلة لـ»العاصفة» تحديداً، فنبشت بين شخصياتها وأحداثها ومشهدياتها التاريخية والجغرافية عن كلّ وأي ملمح يفضي إلى شكسبير ما بعد استعماري… لصالح المسرحي والشاعر الكبير، في نهاية المطاف.
العامل الآخر تمحور حول الفضاء المتوسطي الطاغي لجغرافية «العاصفة»، ومنظورات التضاد/ التصارع بين بروسبيرو وكالبان استطراداً؛ حيث يتولى غونزاليس إبراز الإطار التاريخي بين جزيرة الملك المنفيّ وميلانو وإيطاليا إجمالاً، من جهة أولى؛ وساحل المتوسط على الضفة المغاربية عموماً، وتونس وملكها خصوصاً، من جهة ثانية.
وثمة، في هذا التفصيل تحديداً، ما يردّ الإحالة إلى ولع شكسبير بملاقاة فرجيل عند نقطة خلاف، حيث تبدو رحلات «العاصفة» نحو المتوسط القرطاجي معاكسة لترحال إنياس منه باتجاه إيطاليا.
والأرجح أنّ خيار شكسبير هنا يتجاوز المعارضة إلى تصحيح التاريخ وتصويب الجغرافيا، ثمّ صياغة انتقاد علني غير مباشر للمشاريع الاستعمارية الإنكليزية، حتى إذا كانت قد ابتدأت أصلاً من مستعمرات في فرجينيا الأمريكية.
ولا يصحّ أن يُغفل، في هذا السياق، مشهد جيو ــ سياسي ساخن ومحتدم خلال مطالع القرن السادس عشر، شهد خضوع السواحل المتوسطية المغاربية لاستقطابات قوّة قصوى بين إمبراطورية شارلز الخامس، الأولى التي وُصفت بأنّ الشمس لا تغيب عنها؛ مقابل الإمبراطورية العثمانية، كما كان يقودها السلطان سليمان القانوني عاشر سلاطين آل عثمان.
وكان نتيجة طبيعية تماماً أنّ التنافس على النفوذ بين الإمبراطوريتين، الأقوى في ذلك الزمان، سوف يترك من الآثار والمؤثرات ما يبلغ نصوص الأدب عموماً، ويتجلى في مسرح شكسبير خصوصاً.
وإذْ لا تحتاج قامة على شاكلة شكسبير إلى مناسبة تحثّ على الاحتفاء، كما هي حال 23 نيسان (أبريل) من كلّ عام؛ فإنّ الموعد لا يكفّ، مع ذلك، عن إفساح ميادين شتى متقاطعة متنوعة لإعادة قراءة شاعر كبير ومسرحي فريد، وتسليط المزيد من الأضواء على جوانب من إبداعه تظلّ خافية تنتظر الاستكشاف والتعميق، أو الاختلاف والتنازع.
حتى حين يتصل الأمر بمعطى تاريخي ساطع واضح، مثل ثنائية… قرطاج/ تونس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك