غزة- «القدس العربي»: تحولت خيمة صغيرة نُصبت على عجل في مخيم الإيواء في منطقة التفاح شرقي مدينة غزة، من مساحة انتظار لفرح مؤجل إلى مسرح لفقد مفاجئ.
كان حسين مقاط قد أعد الخيمة الجديدة إلى جوار خيمته، استعدادا لزفاف إحدى بناته، محاولا انتزاع لحظة حياة من بين ركام الحرب.
غير أن الساعات التالية حملت ما لم يكن في الحسبان.
مع حلول عصر اليوم التالي، دوّت أصوات إطلاق نار من جهة الحدود الشرقية، فاضطر أفراد العائلة إلى الفرار بحثا عن ساتر، بينما بقيت الطفلة «دانا مقاط» (11 عاما) نائمة داخل الخيمة.
وبعد هدوء نسبي، عادوا ليجدوها غارقة في دمائها، بعدما اخترقت رصاصة رأسها بشكل مباشر.
نُقلت إلى مجمع الشفاء الطبي، لكن الأطباء أكدوا أن الإصابة كانت قاتلة فورا، لتتحول لحظة كانت مهيأة للفرح إلى مأتم مفتوح.
يقول والدها: «في لحظة واحدة، انتهى كل شيء.
لم نعد نرى سوى الدم والصمت.
لا نعرف كيف يمكن أن نكمل حياتنا بعد دانا».
ويضيف خلال حديثه لـ»القدس العربي» أن الخطر لم يغادر المكان، فإطلاق النار لا يزال يتكرر على مدار الساعة، ما يجعل البقاء في المخيم مخاطرة يومية لا يمكن تفاديها، رغم غياب أي بديل.
هذه القصة تختصر واقعا يعيشه آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث لم ينه وقف إطلاق النار المعلن في العاشر من تشرين الأول / أكتوبر الماضي حالة الخطر، بل بقيت الخيام مكشوفة أمام رصاص عابر يحصد الأرواح ويصيب العشرات بشكل شبه يومي.
في المناطق القريبة من الحدود الشرقية، تتوزع خيام النزوح فوق أراض مفتوحة، أو بين بقايا منازل مدمرة، ضمن واقع يقسم القطاع إلى شطرين: مناطق شرقية تخضع لسيطرة مباشرة لقوات الاحتلال، وأخرى غربية بلا سيطرة كاملة، لكنها تبقى في مرمى النيران.
هناك، لا يفصل السكان عن الموت سوى صدفة، وقد تأتي رصاصة واحدة كفيلة بتغيير كل شيء.
ومع كل صوت إطلاق نار، يتحول الانبطاح أرضا إلى سلوك غريزي، بينما يركض آخرون بشكل عشوائي بحثا عن أي ساتر، في مشهد يتكرر يوميا.
لكن الخيام، التي بالكاد تقي من برد الشتاء، لا توفر حماية من الرصاص، ما يجعل الحياة داخلها محفوفة بالخطر في كل لحظة.
وحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد أسفرت الخروق الإسرائيلية منذ إقرار وقف إطلاق النار عن استشهاد 723 مواطنا، وإصابة 1990 آخرين، إلى جانب تسجيل أكثر من 50 حالة اعتقال من داخل الأحياء السكنية، في مؤشر على استمرار التوتر الميداني.
في مخيم الزرقاء شرقي مدينة غزة، يروي بدر الأسي (35 عاما) تفاصيل إصابته التي غيّرت حياته.
كان يقف أمام خيمته ينظف محيطها، حين أُطلق الرصاص من جهة الحدود، فأصيب في قدمه اليسرى.
الرصاصة لا تزال مستقرة بين الأوردة، ولم يتمكن الأطباء من استخراجها، ما يسبب له آلاما مستمرة ووخزات حادة.
يقول لـ«القدس العربي»: «أشعر وكأن تيارا كهربائيا يمر في قدمي طوال الوقت، لكن الألم النفسي أصعب.
بمجرد سماع الرصاص، أسقط أرضا دون تفكير».
ويشير إلى أن إطلاق النار يتكرر يوميا، وأن الإصابات والشهداء باتوا جزءا من المشهد المعتاد.
ويضيف أن تأخر وصول سيارات الإسعاف بسبب خطورة الأوضاع الأمنية يشكل تهديدا إضافيا، إذ قد يتحول الجرح إلى سبب مباشر في الوفاة نتيجة النزيف أو عدم تلقي العلاج في الوقت المناسب.
وفي مخيم «العائدون» في منطقة الزرقاء، يعيش محمد الجدبة (31 عاما) مع عائلته الممتدة في منطقة لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن الخط الأصفر.
يقول إن أصوات الآليات العسكرية لا تهدأ، فيما يستمر إطلاق الرصاص بشكل يومي، حتى بات الأهالي يحصون عشرات الطلقات في اليوم الواحد.
يضيف: «أصبحنا نرتمي أرضا فور سماع الرصاص.
الخوف هنا ليس شعورا عابرا، بل حالة دائمة.
في أي لحظة قد نفقد أحدا».
ورغم ذلك، يتمسك بالبقاء، موضحا أن العائلة تعمل في الزراعة، وأن الأرض تمثل مصدر حياتهم الوحيد، ما يجعل الرحيل خيارا قاسيا.
ولا تتوقف المخاطر عند الإصابات البشرية، إذ يتسبب الرصاص أحيانا في اندلاع حرائق داخل المخيمات.
يروي الجدبة أن خيمة جديدة جهزها قبل أيام اشتعلت فيها النيران بعد إطلاق نار مفاجئ، وكادت تمتد إلى خيام مجاورة، قبل أن يتمكن الأهالي من السيطرة عليها.
وفي منطقة القرارة شمالي خان يونس، جنوبي القطاع، يعيش محمد السقا (37 عاما) مع أسرته في خيمة لا تبعد سوى نحو 500 متر عن مناطق التماس.
يقول إن إطلاق النار لا يتوقف، وإن الليل يحمل معه خوفا مضاعفا مع ازدياد كثافة الرصاص.
كما يضيف لـ«القدس العربي» أن خيمته تعرضت للحريق، كما استشهدت فتاة من عائلته نتيجة إطلاق النار، ما جعل القلق ملازما لهم.
ويقول: «لا نستطيع النوم في كثير من الليالي، الرصاص لا يهدأ، والخوف لا يغيب».
وتؤكد النازحة حنان عيد (36 عاما) أن الحياة داخل المخيمات باتت أشبه بانتظار دائم للخطر.
وتقول: «منذ اندلاع حريق في المخيم قبل أيام، لم نعد ننام ليلا.
الخيام لا تحمينا، والرصاص مستمر طوال الوقت».
وتطالب خلال حديثها بتوفير أماكن إيواء أكثر أمانا، مثل الكرفانات، أو نقل السكان إلى مناطق بعيدة عن التماس.
على الصعيد الرسمي، يؤكد الناطق باسم مديرية الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، أن خروقات وقف إطلاق النار مستمرة، خصوصا في المناطق القريبة من الحدود الشرقية، ما يؤدي إلى سقوط أعداد من الشهداء والمصابين.
ويوضح لـ«القدس العربي» أن طواقم الإسعاف والدفاع المدني تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى المصابين، نتيجة رفض التنسيق في كثير من الحالات، ما يترك بعض الجرحى ينزفون لساعات طويلة.
ويشير إلى أن بعضهم يفقد حياته قبل وصول المساعدة.
ويضيف أن الطواقم تُمنع أحيانا من انتشال جثامين الشهداء، ما يتركها عرضة للكلاب الضالة، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها السكان.
ويحذر بصل من أن استمرار إطلاق الرصاص يدفع المزيد من العائلات إلى النزوح من المناطق الشرقية، بحثا عن أماكن أكثر أمنا، رغم الاكتظاظ داخل مدينة غزة، ما يضع السكان أمام خيارات محدودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك