في عالم تتشابك فيه الحروف بالألوان، وتتعانق فيه الإيقاعات مع الأحاسيس، ينسج الفنان عقيل أحمد عوالمه البصرية من خيوط الخيال والحقيقة.
يرى عقيل في الفن ثورة على المألوف، وانقلابا على السائد، وتحررا من القوالب الجامدة، ليخلق من الحرف العربي سيمفونية بصرية تجريدية تُحاكي الموسيقى وتلامس الروح.
ولد عقيل في مدينة جرابلس شمال سوريا، وتفتحت عيناه منذ الصغر على لوحات الإعلانات في شوارع حلب، فراح يقلد خطوطها بشغف طفلٍ اكتشف موهبته مبكرا.
تأثر بابن عمته، الفنان خضر المحمد، الذي كان يعمل في خط الإعلانات، وتلقى دعما معنويا من والده الذي كان بمثابة أستاذه الأول، رغم أنه لم يكن خطاطا.
رحلته مع الخط العربي بدأت على يد الفنان العراقي أنور الحيالي، ثم انتقل إلى معهد الفنون التطبيقية في دمشق، قبل أن يستقر في كلية الفنون الجميلة في حلب، ويتخرج فيها عام 2014.
خلال سنوات دراسته، تتلمذ على أيدي عدد من الفنانين منهم الشاعر والخطاط عبد الجليل عليان، والفنان هيثم سلمو، الذين ساعدوه على صقل موهبته والبحث عن أسلوبه الخاص.
لكن الحرب غيّرت مسار حياته، واضطرته إلى الانتقال إلى لبنان، وهناك عمل في ورشات البناء ليؤمن لقمة العيش، غير أن شغفه لم يخمد، بل من قلب المعاناة، انطلقت شرارة مشروعه الفني، مستلهما من دمشق «مدينة الحب» ومن الفرات الذي يجري في عروقه، ليجسد عبر أعماله الحب الصوفي وعراقة الشام، ممزوجة بندى النهر الأزرق وعبق الياسمين.
في أعماله، يعمد عقيل إلى دمج الحرف العربي مع الموسيقى، في توليفة تجريدية تنبض بالإحساس، يطلق عليها «الموليا»، وهو مشروع فني يسعى من خلاله إلى ربط البحر الشعري بالمقام الموسيقي عبر الحرف، متجاوزا المفاهيم التقليدية للوحة.
يرى أن القصيدة واللوحة تشتركان في العناصر: الحروف، الألوان، الإيقاع والوزن، وأن الفن ينبغي أن يكون حوارا بين الصوت والصورة، بين الإحساس والبصر.
وفي خضم ألوانه المتفاوتة، يتصدر اللون الأزرق المشهد، فالأزرق بالنسبة له ليس مجرد لون، بل هو حالة روحية، هو الفرات والجنة، هو بحر بيروت وسماء دمشق، هو صفاء الروح ولون الحب الأول.
ومن بين لوحاته، تتجلى لوحة وكأنها تقول: «السماء لا تتسع لحضورك.
قلبي يتسع».
أما الأبيض، فهو الفضاء المفتوح في لوحاته.
لا يعده غيابا، بل حضورا مطلقا، هو أصل الألوان، كما أن الألف أصل الحروف.
يراه تجريدا خالصا يبرز حركة الحرف ورقصته، من دون أن يخضع لهيمنة اللون، ويستخدمه كأداة لضبط إيقاع العمل الفني.
يؤمن عقيل بأن الفن هو ثورة داخلية، تنبع من الرغبة في التجديد وتجاوز التقليدي.
وهو يختصر رؤيته قائلا: «الفن هو محاولة لخلق أحاسيس بصرية جديدة، وهو تفكير ووعي عميق بالتجريد، وليس مجرد مزج ألوان».
تُوجت مسيرته الإبداعية بالفوز مرتين بجائزة «البردة» الإماراتية، عن فئة الحروفية، وهي جائزة دولية مرموقة تعنى بالفنون الإسلامية وتُسلط الضوء على الطاقات الإبداعية في الخط المعاصر.
وفي مشاركته الأخيرة، فاز بلوحة بعنوان «أربعون مقاما في العشق»، مستوحاة من قصيدة البوصيري «البردة».
لوحة ضخمة مقاسها 260×180، تُمثل أربعين مقاما روحيا، تتنقل فيها العين حتى تستقر عند «اللطخة الحمراء»، قلب اللوحة ونقطة ارتكازها.
نفذ عقيل هذه اللوحة باستخدام تقنيات متعددة، من الألوان الزيتية إلى الإكريليك وورق الذهب، وكل مقام فيها يعكس حالة بصرية فريدة، وكأن كل حرف فيها يترنم بلحن صوفي، يبوح بلغة الحب والتأمل.
وبهذا المزج المرهف بين الحرف والمقام، بين الأبيض والزرقة، يصنع عقيل أحمد من الحرف العربي فضاء مفتوحا للتعبير، حيث تتحول اللوحة إلى نشيد بصري، لا يسمعه إلا من رأى الفن ثورة على كل ما هو مألوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك