عزيزي القارئ، إن دور الصحافة الحقيقي، وخاصة الصحافة الفنية، لا يقتصر على التغطية أو النقل، بل يتجاوز ذلك ليكون شريكًا فاعلًا في إبراز دور الفن والفنانين في نهضة المجتمعات.
فالفن ليس ترفًا بصريًا، بل هو لغة إنسانية راقية، قادرة على طرح القضايا الوطنية والاجتماعية، والتعبير عنها بأسلوب حضاري يليق برقي المجتمع وتحضّره، كما هو الحال في البحرين التي عُرفت بتنوعها الثقافي ووعيها الجمالي وانفتاحها على الفنون بمختلف أشكالها.
ومن هنا، تصبح مهمة الصحافة الفنية مضاعفة؛ فهي لا تكتفي بعرض الأعمال، بل تسهم في تشكيل الوعي الجمالي والنقدي لدى الجمهور، وتؤسس لذائقة بصرية أكثر نضجًا.
وبموازاة هذا الدور، يبرز دور لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر حساسية وتأثيرًا، وهو دور القيّم الفني؛ ذلك الشخص الذي يقف خلف المشهد، يختار الأعمال، ويرتبها، ويعيد تقديمها ضمن سياق فكري وبصري متكامل.
فالقيّم الفني ليس مجرد منسق للمعارض، بل هو صاحب رؤية، ومفكر بصري، ووسيط ثقافي يربط بين الفنان والعمل والجمهور، ويطرح من خلال اختياراته أسئلة تتجاوز الشكل إلى المضمون.
إن القيّم الفني، في جوهره، مسؤول عن بناء التجربة الفنية الكاملة؛ فهو الذي يحدد لماذا يُعرض هذا العمل تحديدًا، وكيف يُعرض، وبأي سياق يُقرأ.
ومن هنا يتقاطع دوره بشكل مباشر مع النقد الفني، بل يمكن اعتباره امتدادًا عمليًا له، حيث ينتقل النقد من النص المكتوب إلى الفضاء البصري.
وعند الحديث عن تقييم الأعمال الفنية، لا بد من الابتعاد عن الانطباعات السطحية أو الأحكام العاطفية، والارتكاز إلى معايير واضحة تشكل أساس الحكم الفني.
في مقدمة هذه المعايير تأتي القيمة الجمالية والتقنية، بما تشمل من عناصر التكوين، واللون، والتوازن، ومدى إتقان الفنان لأدواته.
يلي ذلك المضمون، حيث لا يكفي أن يكون العمل جميلًا بصريًا، بل يجب أن يحمل فكرة أو يطرح تساؤلًا يعكس قضايا المجتمع، بما في ذلك المجتمع البحريني، الذي يمتلك مخزونًا ثقافيًا غنيًا قابلًا للمعالجة الفنية.
كما تبرز الأصالة كمعيار أساسي، إذ يُقاس العمل بقدرته على تقديم رؤية جديدة، لا مجرد إعادة إنتاج أنماط مألوفة.
وفي هذا السياق، يؤكد الناقد البريطاني جون بيرجر في كتابه طرق الرؤية أن فهم العمل الفني لا ينفصل عن سياقه الثقافي والاجتماعي، وهو ما يجعل عملية التقييم أكثر تعقيدًا وعمقًا.
كذلك يشير الناقد العربي صلاح قنصوه في كتابه النقد الفني إلى أن التذوق الفني لا يقوم على الذائقة الفردية وحدها، بل يحتاج إلى وعي وثقافة ومعرفة تراكمية.
ومن هنا تتضح خطورة موقع القيّم الفني؛ فإذا كان هو من يحدد ما يُعرض وما يُهمَل، فإن اختياره لا يمكن أن يكون عشوائيًا أو قائمًا على الاعتبارات الشخصية.
بل يجب أن يستند إلى مجموعة من المعايير، في مقدمتها الخلفية النقدية والمعرفية، والقدرة على بناء رؤية فكرية متماسكة، إضافة إلى الخبرة العملية في تنظيم المعارض، والقدرة على التواصل مع الفنانين والجمهور.
غير أن الإشكالية الكبرى التي تواجه المشهد الفني اليوم تتمثل في المجاملة، التي تسللت إلى بعض ممارسات التقييم، وأثّرت بشكل مباشر على جودة الإنتاج الفني.
فحين يتحول التقييم إلى مجاملة، يفقد القيّم دوره الحقيقي، ويتحول المعرض إلى مساحة عرض بلا معايير واضحة.
وفي مجتمع يسعى إلى ترسيخ مكانته الثقافية مثل البحرين، لا يمكن القبول بمثل هذا الخلل، لأن نتائجه لا تقف عند حدود معرض واحد، بل تمتد لتؤثر على تطور الفنانين، وعلى مستوى الذائقة العامة.
إن المجاملة، مهما بدت إيجابية، تُنتج في حقيقتها خللًا إنتاجيًا واضحًا، حيث تُمنح الفرص لأعمال أقل جودة، بينما تُهمّش أعمال أكثر عمقًا واستحقاقًا.
وهذا بدوره يخلق حالة من الرضا الزائف لدى الفنان، فيتوقف عن التطور، ويغيب النقد الحقيقي الذي يُعد المحرك الأساسي للإبداع.
وفي المقابل، فإن النقد الصادق والتقييم الموضوعي لا ينتقصان من قيمة الفنان، بل يفتحان أمامه آفاقًا جديدة للتجريب والتطور.
وهنا تتكامل أدوار الصحافة الفنية والقيّم الفني، في بناء بيئة ثقافية صحية، تقوم على الحوار، لا المجاملة، وعلى المعرفة، لا الانطباع.
في النهاية، تبقى مسؤولية القيّم الفني مسؤولية مضاعفة، لأنه لا يكتفي بعرض الفن، بل يوجّه طريقة تلقيه.
وبين دوره ودور الصحافة الفنية، تتشكل ملامح المشهد الثقافي، وتُبنى الذائقة العامة.
وفي سياق مجتمع واعٍ ومتحضر كالمجتمع البحريني، يصبح من الضروري أن يكون التقييم قائمًا على الصدق، والمعرفة، والنزاهة، لا على العلاقات أو المجاملات لأن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا هل من يقيم الفن يرتقي فعلًا بمستوى الفن… أم يكتفي بتجميله؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك