بمجرد أن تعلن شمس الربيع عن نفسها، تبدأ رحلة «التوت» السنوية التي تجمع بين وجهين متناقضين؛ وجه يراه الأطفال والشباب في قرى كفر الشيخ والغربية فرصة لاستعادة مغامرات الطفولة في تسلق الأشجار واقتناص الثمار مجاناً، وآخر يراه «إسماعيل» القادم من الإسماعيلية مصدر رزق يمتد لثلاثين يوماً فقط.
بين أغصان الأشجار التي تطرح خيراً «متاحاً للجميع» على ضفاف ترع كفر الشيخ، وبين «فرش» البيع في أسواق المحلة الكبرى بالغربية، تدور تفاصيل موسم قصير لا يعرف الانتظار.
على امتداد الأراضي الزراعية، تقف أشجار التوت شاهدة على تقاليد قديمة لم تندثر، إذ اعتاد المزارعون منذ أجيال على زراعتها كـ«صدقة جارية»، يقتات منها العابرون وأبناء القرى دون قيود، الأطفال يتسلقون الأغصان بخفة، والنساء يملأن أوانيهن، بينما يمد المارة أيديهم لقطف ما تيسَّر من هذه الثمار الحلوة التي لا تعرف الاحتكار.
وتتنوع أشكال التوت في كفر الشيخ بين الأبيض والأحمر والأسود، إلى جانب نوع مميز يُعرف محلياً بـ«التوت العماني» أو الباكستاني، الذي يتميز بطول ثماره التي قد تصل إلى طول الإصبع، ما يجعله لافتاً للأنظار ومفضلاً لدى الكثيرين، هذا التنوع لا يثري المذاق فحسب، بل يمنح المشهد ألواناً متداخلة تبهج العين قبل أن تُرضي الذوق.
يحكي فايز الحلواني، أحد مزارعي كفر الشيخ، إن زراعة التوت لم تكن يوماً بهدف التجارة فقط، بل كانت جزءاً من ثقافة العطاء في الريف المصري.
ولا تقتصر فوائد شجرة التوت على ثمارها فحسب؛ فأوراقها تُعد غذاءً أساسياً لدودة القز، التي تُستخدم في إنتاج الحرير، كما تستفيد منها الحيوانات، بينما يُستخدم خشبها في صناعة الفحم، والأهم من ذلك أنها من الأشجار التي لا تتطلب عناية كبيرة، إذ تعتمد في نموها على المياه الجوفية، ما يجعلها مناسبة للبيئة الزراعية في المحافظة، كما يشير «الحلواني».
ينتظر عبد الحميد إمام، الطالب بكلية التجارة، حلول فصل الربيع من عامٍ إلى آخر، حيث يشكِّل هذا الموسم بالنسبة له ورفاقه مناسبة خاصة لجمع ثمار التوت من أحد الحقول التي اعتادوا التردد عليها سنوياً.
يقطع إسماعيل حسين مئات الكيلومترات كل عام، متنقلاً من محافظة الإسماعيلية إلى مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، في رحلة موسمية اعتاد عليها منذ سنوات، بحثاً عن الرزق في تجارة التوت البلدي والعُماني والرومي، التي يجلبها من مركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة.
يقول «إسماعيل» إن موسم التوت لا يتجاوز في العادة 25 إلى 30 يوماً، ما يجعله سباقاً مع الوقت لتعويض تكاليف السفر وتحقيق دخل يكفيه وأسرته، ومع بداية فصل الربيع، يتزايد الإقبال على شراء التوت، كونه من الفواكه الموسمية التي لا تتوفر إلا مرة واحدة سنوياً، وهو ما يمنحه رواجاً خاصاً في الأسواق الشعبية.
ويعتبر «إسماعيل» أن المحلة الكبرى تُعد من أبرز الوجهات التي يقصدها خلال الموسم، نظراً لكثافة سكانها وارتفاع الطلب على التوت، خاصة في المناطق الحيوية والأسواق المفتوحة، حيث يفضِّل المواطنون شراء الفاكهة الطازجة مباشرة من الباعة الجائلين، مشيراً إلى أن التوت البلدي يحظى بإقبال كبير لمذاقه المميز، بينما يفضِّل البعض التوت العُماني لكبر حجمه، فيما يأتي التوت الرومي كخيار متوسط بينهما.
ورغم قِصَر الموسم، يؤكد «إسماعيل» أن هذه التجارة تمثل مصدر دخل أساسياً له، معبِّراً عن أمله في أن يكون الإقبال هذا العام جيداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك