أحدث التحقيق الذي نُشر في صحيفة الغارديان عام 2022، عن مجزرة حي التضامن، زلزالًا حقيقيًا في الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية.
لم تكن مجزرة حي التضامن مجرد جريمة حرب محلية، بل هي واحدة من أبشع الجرائم ضد المدنيين التي تم توثيقها بالصوت والصورة، فقد كان مشهد الضحايا وهم يُساقون معصوبي الأعين إلى الموت، يذكِّر بتلك الفظائع التي اعتقد العالم أنه تجاوزها بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد وُصفت لقطات المجزرة بأنها واحدة من أكثر مقاطع الفيديو إدانة في الصراع السوري بأكمله.
فالصدمة العالمية لم تأتِ فقط من عدد الضحايا، بل من توثيق فعل القتل بدقة بالغة، وظهور الجناة وهم يضحكون أثناء حفلة إعدام المدنيين، ثم حرق جثثهم.
ما جرى لم يكن مجرد إسراف في القتل، بل مثَّل نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة التي تحمل سمات الجرائم الكبرى في التاريخ الحديث: استهداف المدنيين مباشرة، ونزع الإنسانية عن الضحايا، وإدارة القتل بوصفه سياسة عامة لا تصرفات فردية، وهو ما يفسر لماذا تفاعل الضمير العالمي، ولو متأخرًا، مع هذه الجرائم بوصفها امتدادًا لذاكرة لم تندمل منذ الهولوكوست.
مجرم حي التضامن الآن في قبضة العدالة، وسوف ينال جزاءه، هو وكل من أجرم بحق السوريين طيلة 14 عامًا.
تجدر الإشارة إلى ضرورة أن تبقى الذاكرة السورية حاضرة، ليس بهدف استحضار الألم، بل لمنع تكراره، فالتاريخ يقدم درسًا واضحًا في هذا السياق، فالمجتمعات التي اختارت النسيان، عادت إليها سياسات القتل والاضطهاد، وإن بأشكال مختلفة، فالجرائم التي تُنسى تتكرر، بينما تلك التي واجهت ماضيها بجرأة، استطاعت أن تحمي أجيالها، وأن تبني ذاكرة وطنية أكثر تماسكًا.
لقد كانت التجربة الأوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية، مثالًا بارزًا، إذ لم تكتفِ بإدانة جرائم النازية، بل عملت على توثيقها وتخليد مواقعها، من معسكرات الاعتقال في داخاو إلى غرف الغاز في أوشفيتز، لتبقى الذاكرة حية، ولتتحول المأساة إلى درس دائم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك