الفنان نور الشريف، الذي تحلّ ذكرى ميلاده الثمانون، اليوم 28 أبريل، يُعد واحداً من أبرز نجوم التمثيل في مصر والوطن العربي، فقد كان نموذجاً حياً لصورة الممثل الواعي المثقف، حيث قدّم سلسلة من الأعمال الفنية التي كانت بمثابة مرآة تعكس أوجاع الشارع وأحلام المهمشين.
نور الشريف، أو محمد جابر الذي وُلد في أزقة السيدة زينب العريقة (28 أبريل 1946 - 11 أغسطس 2015)، لم يكن مجرد ممثل مرّ على شاشة السينما، بل كان قيمة فنية صاغت وجدان الجماهير العربية عبر نصف قرن من العطاء الاستثنائي.
ارتدى «الشريف» جلباب الفن مُبكراً، فلم يكن التمثيل مجرد مهنة له، بل رسالة تثقيفية، لذا تميز إلى حدٍّ كبير عن أقرانه بكونه الممثل المثقف، ذلك الرجل الذي كان يغوص في المراجع والقراءات حول الشخصية التي يجسدها.
فلم يكن يكتفي بنطق الجمل الحوارية، بل كان يشرح الحالة النفسية والسياسية لكل دور، وهو ما جعل من شخصيات مثل عبدالغفور البرعي في «لن أعيش في جلباب أبي»، والحاج متولي في «عائلة الحاج متولي»، رموزاً حية تسير بين الناس حتى اليوم.
استطاع «الشريف» ببراعة أن يجمع الأسرة بكل أجيالها أمام الشاشة، متنقلاً بسلاسة بين زهد «عمر بن عبدالعزيز» وطموح «الحاج متولي» وإصرار «عبدالغفور البرعي»، حيث كان يدرك جيداً قوة التليفزيون في تشكيل الوعي، لذا حرص على أن تحمل أعماله بُعداً أخلاقياً واجتماعياً يعيد تعريف مفهوم النجاح والعمل والقيم الأسرية.
وعلى صعيد السينما، كان البوصلة التي وجهت موجة الواقعية الجديدة في الثمانينات من القرن الماضي.
فلم يخشَ يوماً من المغامرة بإنتاجه الخاص أو بجماله الهادئ ليقدم شخصيات منهكة ومنكسرة، فكان صرخة المواطن المطحون في «سواق الأتوبيس» مع رفيق دربه عاطف الطيب، وكان المقاتل في «ناجي العلي»، والفيلسوف التنويري في «المصير».
امتلك شجاعة نادرة في اختيار أدوار قد يرفضها نجوم آخرون حرصاً على صورة البطل، إذ آمن بأن البطل الحقيقي هو من يلمس جوهر الحقيقة مهما كانت مُرة.
الجانب الأكثر نبلاً في مسيرة «الشريف»، هو دوره كصائد للمواهب، فلم يشعر يوماً بعقدة النجم الأوحد، بل كان يفتح الأبواب أمام الوجوه الجديدة والمخرجين الشباب، مؤمناً بأن استمرارية الفن تكمن في تواصل الأجيال، منهم عمرو يوسف، إيمان العاصي، دينا فؤاد، حسن الرداد، أحمد العوضي، وغيرهم.
رحل «آخر الرجال المحترمين» جسداً، وبقي نوراً يستضيء به كل من أراد أن يجعل من الفن قيمة، ومن الموهبة علماً، ومن النجومية تواضعاً وأثراً لا يُنسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك