تنهار الدول والحضارات بسبب عوامل داخلية أكثر من العوامل الخارجية، تظل تزحف في بدنها مثل السوس في عصا سليمان.
بدأ الانهيار في الحضارة اليونانية منذ أن حكمت ديمقراطية أثينا على سقراط بشرب السم، ومنذ أن بيع أفلاطون في سوق النخاسة.
وعلى الرغم من أن أرسطو لم يحدث له مكروه، وأصبح تلميذه الإسكندر المقدوني أقوى حاكم في الدنيا، الذي حول بابل إلى عاصمة لملكه، ووصلت حدود إمبراطوريته إلى الهند وأفغانستان ومصر حيث عمد إلهاً، إلا أن تخلي هذه الحضارة عن العقل هو الذي أنهاها، أما الإمبراطورية الرومانية على الرغم من أنها نقلت الفكر اليوناني فقد انهارت على يد القبائل الجرمانية البربرية، بعد قرنين من الحروب تخلى الرومان فيها عن الروح العسكرية التي ميزتهم، واستسلموا للاستمتاع بالحياة بين حماماتهم ومشاهدة المصارعين وهم يتقاتلون حتى الموت أو يصارعون الوحوش.
أثناء ذلك كانت روما قد تخلت عن ديمقراطيتها مثلما تخلت أثينا عن ديمقراطيتها، على الرغم من نقص هذه الديمقراطية التي لم تشمل النساء والعبيد والفقراء، إلا أن روما برعت عسكرياً وما زال معمارها شاهداً على إتقانها للهندسة وأيضاً الزراعة، حيث لا تزال آثارها ماثلة جنوب الجبل الغربي في ليبيا، ولكن روما تعرضت إلى هجمات شرسة من بدو أوروبا ممثلة في الوندال والقوط والقبائل الجرمانية، مثلما تعرضت بغداد لهجمات المغول والقبائل التركية.
انهارت الحضارة العربية الإسلامية منذ أن قسم أبو حامد الغزالي العلوم إلى شريفة وغير شريفة، وصنف في معظم كتبه العلوم إلى محمودة ومذمومة، وعلوم كثيرها مذموم وقليلها محمود، وعلوم مذموم قليلها وكثيرها، فالعلوم الدينية مثل الفقه والحديث والخطابة والعظة فهي محمودة، ونجت الرياضيات والهندسة من تحريمه ولكن بالقدر الضروري منها، أما الفلسفة والفيزياء فحرمها بالكامل.
ابن تيمية الذي جاء بعد الغزالي حرم الكيمياء، «ولم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء، ولا من علماء الدين، ولا من مشايخ المسلمين، ولا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان»، كما يقول «والكيمياء أشد تحريماً من الربا»، وكفر جابر بن حيان مؤسس علم الكيمياء والذي نقلها من الخيمياء، التي لم تكن علماً وإنما شعوذة، وبرر ابن تيمية حكمه هذا بأن المشتغلين في الكيمياء يصنعون مركبات لم يخلقها الله، وبهذا فهم يشركون بالله، دون أن يدري أن حمض الهيروكلوريك الذي حضره ابن حيان، تفرزه معدته مع كل وجبة يأكلها.
في العام 408 هجرية أصدر الخليفة العباسي القادر بالله وثيقة، حددت المعتقدات التي يجب على المسلمين اعتقادها، وتمنع معتقدات أخرى يعاقب من يعتنقها، ووفقاً لابن كثير فكل من يقول بخلق القرآن يقتل، وطالت العقوبات المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وأمر بصلبهم وحبسهم ونفيهم ولعنهم وصار ذلك سنة من بعده.
يذكر أنه حكم لمدة واحد وأربعين عاماً وثلاثة أشهر، أي تقريباً نفس المدة التي حكمها القذافي والذي أطلق على الفلسفة اسم علم التفسير وأفرغها من معناها، لأن الفلسفة تعلم الناس كيف تفكر وهذا ما يفزع الحكام، فبعد أن استولت القبائل الجرمانية البربرية على روما، وجدت الكنيسة فرصة ذهبية لحكم أوروبا، فمنعت جميع العلوم تقريباً، وزعمت أن كل العلوم والأسئلة يوجد جوابها في الكتاب المقدس.
لم يكن الغزالي يدرك حين سمح بالرياضيات أنها ستكون أول العلوم لنهضة روما، ونهاية هيمنة الكنيسة على المجتمع والدولة، ففي العام 1512 توصل رجل دين بولندي يدعى نيكولاس كوبرنيكوس باستخدام الحسابات الرياضية، إلى أن الشمس أكبر من الأرض بآلاف المرات وأنها مركز الكون، فتدخلت الكنيسة ومنعت نشر الاكتشاف، فهي ما زالت تؤمن أن الأرض أكبر من الشمس، لدرجة أن يوشع بن نون أوقفها، عندما اقتحم على رأس بني إسرائيل مدينة أريحا فهدم أسوارها بعد حصارها لمدة ستة أشهر، وبعد اقتحامها وكان ذلك في يوم الجمعة خشى أن تغرب الشمس ويدخل يوم السبت فيتوقف بنو إسرائيل عن القتال قبل أن يقضي على سكان أريحا بالكامل، فلجأ إلى أهون الحلول وهو إيقاف الشمس، بل وفقاً للعهد القديم عادت الشمس إلى الوراء حتى ينتهي من المذبحة، وهو النبي الذي استشهد به نتنياهو بعد اقتحامه لغزة.
كل ما سبق يفسر الأزمة النفسية التي مر بها الغزالي والتي جعلته غير قادر على النطق فترة من الزمن، عندما كان مديراً للمدرسة النظامية في بغداد، فهو من أكبر العقول التي أنجبتها الحضارة الإسلامية، ولكنه وجد نفسه مجبراً على خدمة السلاجقة بما يعزز سلطانهم، ولأنه كان في داخله يقاوم خيانة نفسه كمثقف، ترك بغداد إلى المدينة ومنها إلى دمشق، ولكنه عاد في آخر مشواره إلى بغداد ليصدر كتبه الأخيرة التي حمل فيها على الفلسفة وعلم الكلام، وهو يدرك أنه يدق آخر مسمار في نعش حضارة عظيمة.
شخصياً تعرفت على مثل هؤلاء المثقفين، الذين باعوا علمهم وثقافتهم وموهبتهم لمعمر القذافي، ولكن في جلسات السكر ينهارون وينخرطون في نوبة من البكاء، دون أن نسألهم عن سبب هذا البكاء، فنحن نعلم وهم يعلمون وتقريباً حتى القذافي يعلم، ولكن التاريخ لا يرحم فقد خلد الفنان الإيطالي رفائيل ابن رشد في لوحة جدارية تسمى «مدرسة أثينا» عام 1510 والتي تضم أعظم فلاسفة اليونان ويقف وسطهم ابن رشد ولا تزال اللوحة محفوظة في أحد قصور الفاتيكان.
من تلك الحضارة العظيمة لم يبق إلا الشيخ ابن باز الذي يزعم أن جنياً أسلم على يديه، بعد أن أخرجه من جسد فتاة.
أستغرب كيف لم يوقف هؤلاء الفقهاء الشمس مثلما أوقفها يوشع بن نون، على الأقل سيوفرون الكثير من الأموال على وكالة ناسا، التي قد تطلب منهم تبريد سطح الشمس حتى تهبط مركبتهم عليها مثلما هبطوا على القمر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك