حين نستمع إلى كلمات أغنية (الفن الجميل) مثلا، للفنان الرائع هاني شاكر -شفاه الله وعافاه- تجد كلماتها من طراز شجي رقيق يشعرك أنها -كغيرها من بنات زمانها- تلامس الفقد الإنساني والحنين والوجع النبيل، لندرك معها كم تغيّر وجه الفن في زماننا، وكم ابتعدت الأغنية العربية عن رسالتها القديمة بوصفها وجدانًا جمعيًا ومرآةً للمشاعر الراقية.
الأغنية لم تكن يومًا مجرد إيقاع للرقص أو ضجيج يملأ الفراغ، بل كانت نصًا أدبيًا، ولحنًا محسوبًا، وصوتًا يحمل إحساسًا، وثقافةً تعكس مستوى المجتمع وذائقته، انظر مثلا إلى أم كلثوم وكيف تدخلت بتمكن وإبداع لتغيير بعض كلمات قصائد فحول الشعر في زمانها وفي غير زمانها لتناسب جمهورها ومستمعيها في كل مكان.
وهنا يبدو السؤال مشروعًا: ماذا حدث حتى انتقلنا من زمن أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش إلى زمن الأغنية السريعة العابرة، ومن الشعر الغنائي إلى عبارات مفككة، ومن اللحن المركب إلى الإيقاع الصاخب؟الفن لم ينحدر فجأة، بل تراجع تدريجيًا مع تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة.
في الماضي، كانت هناك مؤسسات تصنع الفن: إذاعة تنتقي، وتلفزيون يقدّم، وشركات إنتاج تراهن على الجودة، ونقاد يفرزون الغث من السمين، ومدارس موسيقية حقيقية يتدرّب فيها المطرب والملحن والعازف.
كانت الأغنية تُصنع على مهل، ويُعاد صياغة الكلمة عشرات المرات، ويُبنى اللحن بعناية، ويُختبر الصوت قبل أن يصل إلى الجمهور.
أما اليوم، فقد انكسرت هذه المنظومة، وصار معيار النجاح في كثير من الأحيان عدد المشاهدات لا جودة العمل، وسرعة الانتشار لا عمق الأثر.
ثم جاءت الثورة الرقمية فغيّرت قواعد اللعبة.
المنصات الحديثة لا تكافئ الأجمل بالضرورة، بل تكافئ الأسرع والأعلى ضجيجًا والأكثر إثارة للجدل.
وهكذا وجدت أغاني المهرجانات مساحة واسعة؛ لأنها تلائم الإيقاع العصبي للعصر، وتخاطب جمهورًا يبحث عن التنفيس السريع، والهروب من الضغوط اليومية، والرقص أكثر من التأمل.
هي ابنة زمنها فعلًا، زمن السرعة والقلق والتوتر الاجتماعي، ولذلك لا يمكن فهم انتشارها فقط بوصفه تراجعًا فنيًا، بل أيضًا بوصفه انعكاسًا لواقع اجتماعي مضطرب.
لكن المشكلة لا تكمن في لون موسيقي جديد بحد ذاته، فالفن يتطور ويتبدل، وكل عصر يبتكر تعبيراته.
المشكلة حين يصبح الابتذال هو القاعدة، وحين تختفي البدائل الراقية، وحين يُقدَّم الضجيج باعتباره فنًا مكتملًا.
حتى أحمد عدوية، الذي اعتبره البعض يومًا ظاهرة منفلتة، كان يمتلك شخصية صوتية خاصة، وحضورًا شعبيًا صادقًا، وجذورًا في المزاج المصري، ولم يكن مجرد صناعة إلكترونية عابرة.
كان هناك طابع وهوية، أما كثير مما يُنتج اليوم فيتشابه حتى يكاد المستمع لا يفرّق بين صوت وآخر أو أغنية وأخرى.
أما الكلمات، فقد أصابها ما أصاب اللغة نفسها.
حين يتراجع التعليم، ويضعف التذوق الأدبي، وتختفي القراءة، لا يمكن أن ننتظر ازدهارًا في الشعر الغنائي.
الأغنية القديمة كانت تستند إلى شعراء كبار أو أصحاب موهبة حقيقية يعرفون كيف يحوّلون الألم إلى صورة، والفرح إلى معنى، والاشتياق إلى لغة.
اليوم، في كثير من الحالات، تُكتب الأغنية بعجالة، وتُبنى على جملة صادمة أو لازمة سهلة التكرار، لا على قصة أو إحساس أو خيال.
والتلحين بدوره لم يسلم.
أين البناء اللحني الذي قدّمه محمد عبد الوهاب أو بليغ حمدي أو كمال الطويل؟ أين الجملة الموسيقية التي تعيش عقودًا؟ كثير من الأعمال الراهنة تعتمد على قوالب إلكترونية جاهزة، وإيقاعات متكررة، وتوزيع يغطي على فقر اللحن بدل أن يخدمه.
أما الذوق العام، فهو ليس شيئًا ثابتًا يولد مع الناس، بل يُصنع ويُربّى.
حين يتعرض الجمهور لسنوات طويلة إلى محتوى سطحي، ويغيب التعليم الفني من المدارس، وتختفي البرامج الثقافية، وتنسحب الدولة والمؤسسات من دعم الفنون الجادة، يصبح من الطبيعي أن يتبدل الذوق.
الناس لا تُلام وحدها؛ لأنها تختار مما يُعرض عليها.
ومع ذلك، فالصورة ليست سوداء بالكامل.
فما زالت هناك أصوات محترمة، وتجارب جيدة، وشباب موهوبون يبحثون عن فرصة خارج ضجيج السوق.
وما زال الجمهور، حين يُقدَّم له عمل صادق وجميل، قادرًا على التفاعل معه.
وهذا يعني أن الذائقة لم تمت، لكنها تحتاج إلى من يوقظها.
ما حدث للفن هو ما حدث للمجتمع كله: سرعة بلا عمق، استهلاك بلا تأمل، شهرة بلا موهبة أحيانًا، وربح بلا رسالة.
واستعادة الفن لا تكون بالحنين فقط إلى الماضي، بل بإصلاح التعليم، ودعم الثقافة، واحترام اللغة، وتشجيع المواهب الحقيقية، وخلق منابر تُنصف الجيد.
عندها فقط يمكن أن يعود الغناء كما كان: عزاءً للروح، لا مجرد ضوضاء للأذن.
وأخيرًا.
دعواتنا بالشفاء العاجل لأمير الغناء العربي الفنان هاني شاكر ليعود لفنه وجمهوره العريض سالمًا غانمًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك