العدالة لا تسقط بالتقادم: دمشق تبدأ أولى محاكمات رموز النظام السابقبعد أكثر من أربعة عشر عاما على انطلاق الاحتجاجات في سوريا، وما يقارب عاما ونصف على أحداث الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 التي غيرت مسار البلاد، لا تزال ذاكرة السوريين مثقلة بثقل الخسارات: مدن مدمرة، وآلاف المفقودين، وملايين النازحين داخل البلاد وخارجها.
وعلى امتداد هذه السنوات، بقي مطلب العدالة حاضرا في الخطاب العام، من درعا إلى حلب، مرورا بمراكز الاحتجاز التي ارتبطت بانتهاكات واسعة.
في هذا السياق، تستعد محكمة الجنايات الكبرى في دمشق لبدء أولى جلسات محاكمة عدد من المسؤولين السابقين في 26 أبريل/نيسان 2026، في خطوة تعد اختبارا فعليا لمسار العدالة الانتقالية في البلاد.
وتشمل قائمة المتهمين الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد (غيابيا)، إضافة إلى عاطف نجيب الذي يمثل أمام المحكمة.
يقول أحد القضاة المشاركين في المسار إن الهدف ليس الانتقام، بل ترسيخ مبدأ المساءلة وفق القانونمن درعا إلى دمشق.
مسار القضيةتعود إحدى أبرز القضايا المطروحة إلى أحداث درعا عام 2011، حين أثار اعتقال أطفال على خلفية كتابات مناهضة للنظام موجة احتجاجات واسعة.
وكان عاطف نجيب، المسؤول الأمني آنذاك، من أبرز الأسماء المرتبطة بتلك المرحلة.
كما تشمل الملفات المطروحة قضايا موثقة لاحقا، من بينها حادثة حي التضامن في دمشق، التي أعادت إلى الواجهة نقاشا واسعا حول الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات النزاع.
محاكمة علنية واختبار للشفافيةتكتسب هذه المحاكمات أهمية خاصة لكونها علنية، مع تعهد الجهات القضائية بإتاحة المجال أمام عرض الأدلة وسماع الشهادات، إضافة إلى ضمان حق الدفاع للمتهمين.
ويرى متابعون أن هذه الخطوة تمثل تحولا في أداء المؤسسة القضائية مقارنة بمراحل سابقة اتهمت فيها بغياب الاستقلالية.
ويقول أحد القضاة المشاركين في المسار إن" الهدف ليس الانتقام، بل ترسيخ مبدأ المساءلة وفق القانون".
تحديات العدالة الانتقاليةرغم هذه الخطوة، لا تزال التحديات كبيرة.
فملف التوثيق يشمل آلاف الشهادات والوثائق، إلى جانب الحاجة إلى إعادة هيكلة المؤسسات القضائية وتأمين حماية الشهود.
كما يبرز تحد آخر يتمثل في تحقيق التوازن بين محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع انزلاق المسار نحو تصفية حسابات سياسية أو اجتماعية.
مع انطلاق أولى الجلسات، تدخل سوريا مرحلة دقيقة، عنوانها اختبار فعلي لشعار طال ترديده: العدالة لا تسقط بالتقادميرى مراقبون أن تأخر بدء المحاكمات يعود إلى تعقيدات تتعلق بجمع الأدلة وبناء الإطار القانوني المناسب.
فالمحاكمات المتسرعة قد تضعف مصداقية العملية برمتها.
أما اختيار دمشق مقرا للمحاكمات، فيحمل دلالة رمزية، إذ تنتقل المدينة من كونها مركزا للسلطة خلال سنوات النزاع، إلى ساحة لمحاولة إعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
تحمل هذه المحاكمات رسائل في أكثر من اتجاه: داخليا، تمثل محاولة لطمأنة الضحايا بأن مطالبهم لم تهمل.
دوليا، تعد اختبارا لمدى التزام سوريا بالمعايير القانونية.
سياسيا، تعكس بداية مرحلة جديدة تسعى إلى إغلاق ملفات الماضي عبر أدوات قانونية.
يبقى السؤال الأهم مرتبطا بقدرة هذه المحاكمات على تحقيق توازن بين العدالة والمصالحة.
فبدون مسار قانوني واضح وشفاف، قد تبقى الجراح مفتوحة، ويصعب بناء استقرار طويل الأمد.
ومع انطلاق أولى الجلسات، تدخل سوريا مرحلة دقيقة، عنوانها اختبار فعلي لشعار طال ترديده: العدالة لا تسقط بالتقادم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك