حرية الكتابة: الحق المؤجلتعد الحرية بمفهومها الشامل من أساسيات الحياة التي دافع عنها الإنسان على مر العصور، وحاولت في المقابل الأنظمة تقويضها بطرق شتى، مباشرة وغير مباشرة، بأسلوب أو بآخر.
فالحرية التي كانت تعني للإنسان التحليق بلا قيد في سماء بلا حدود، كانت تعني للأنظمة الشمولية ارتخاء قبضتها، وانكسار قيودها، وزوال هيبتها.
ودوما ما يكون الكاتب المغرد خارج السرب هو أكثر الناس عرضة للاضطهاد ومصادرة حريته.
وقد تؤدي به بعض الكلمات التي يكتبها أو يقولها في لحظات الوعي أو اللاوعي، إذا لم يتحسس عنقه، إلى ما لا يحمد عقباه.
وعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهده العالم في مجال الحقوق بصفة عامة، يجد الأديب أو المؤلف أو الكاتب العربي نفسه أمام جملة من القيود التي تعيق إبداعه وتكبل قلمه، بحيث يصبح حلمه في التعبير رهينة بيد السلطة.
فالسلطة ترى في الكاتب الحر خطرا داهما إذا لم تضع له حدودا ثم تمنعه من تجاوزها.
فكثير من الأنظمة العربية، وبشكل صريح، تصوغ قوانين تجرم بعض الكتابات، أو بعبارة أدق تضع قيودا صارمة على الأدب.
ومع كل هذا التقييد، يبقى السؤال التالي ينتظر الإجابة: هل يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه الكاتب أن يكتب ما يريد دون أن يخاف؟ أم أن هذا الحق، الحق في الكتابة الأدبية الحرة، سيبقى مجرد حلم في أذهان الحالمين؟يترك المجال للسؤال الوجودي: إلى متى سنبقى هكذا؟ السؤال الذي ينغص على العربي لذة الحياة خلف الأكاذيب والأحلام المؤجلة في بناء الحضارة التي ينشدها العالم بأسرهدائما ما نجد العديد من الكتاب يرغبون في بناء تصورهم الخاص حول أنماط المعيشة داخل الأوطان العربية، فتتولد داخلهم الرغبة في كتابة ما يريدون حول هذه الأنماط بحرية مطلقة.
لكن الخوف من ردات الفعل يجعلهم يتراجعون أو يحرقون كل ما كتبوه على صفحات أوراقهم، مكتفين بمشاهدة كلماتهم وهي تتطاير مع ذرات الرماد والغبار في فراغ العدم.
ومع الكم الهائل من الخوف الذي يجتاح الكاتب الحر، أو كما يرغب المجتمع في تسميته (المتمرد)، في إنشاء نصه، تنفلت بعض الكلمات لتخلق واقعا مغايرا يعاكس تماما توجهات السلطة.
فتتحدى الكثير من الأقلام هذه القوانين، وتنكسر في عيون أصحابها هيبة الأصفاد.
ففي عالمنا العربي استطاع الكثير من الكتاب ترك بصمتهم المميزة في الأدب العربي، فأنتجوا مؤلفات تغوص في أعماق المواضيع التي تحاول المجتمعات العربية تجنبها، وتصنفها ضمن الطابوهات.
وفي نهاية المطاف، يجد الكاتب في هذه المواضيع نفسه أمام تحديات صعبة، فينتهي به الأمر إما مسجونا أو منفيا أو حتى مقتولا.
والمحظوظ من بين هؤلاء الكتاب يجد نفسه منبوذا داخل مجتمعه، مع منع كتبه من الوصول إلى القارئ.
قد تختلف الكثير من الأنظمة العربية مع شعوبها جملة وتفصيلا إذا ما تعلق الأمر بمستقبل هذه الشعوب، أو بالقضايا المهمة للأمة العربية.
لكن الشعوب نفسها هي من تعطي الضوء الأخضر للسلطة إذا ما حاول كاتب ما وضع المجتمع والسلطة معا أمام واقع مر، وهمس بصوته من داخل ضمائرهم التي يحاولون تغييبها وراء الأوهام، وقال بكل حزم: نحن أمة نسير بلا بوصلة في طريق لا نعرف إلى أين تقودنا، نحن عبء البشرية الأكبر.
ثم يترك المجال للسؤال الوجودي: إلى متى سنبقى هكذا؟ السؤال الذي ينغص على العربي لذة الحياة خلف الأكاذيب والأحلام المؤجلة في بناء الحضارة التي ينشدها العالم بأسره.
السلطة التي تستنفر لمنع كاتب من إبداء رأيه، مع ملاحقته من زاوية إلى أخرى، ما هي إلا سلطة تعيش على أنفاس تراها من منظورها الضيق على أنها الأخيرةهل الكتابة الأدبية الحرة علاج مؤلم أم خطر؟إن ما يجب أن تبنى عليه الأنظمة العربية هو الأسس القوية الصحيحة، التي لا تزعزعها فكرة في عقل فرد من داخل مجتمع واسع يعج بالأفكار غير المفهومة.
فالنظر لفكرة خارجة عن المألوف تبحث ذاتها من بين آلاف النسخ من الذوات المتشابهة بريبة، لهو دليل قاطع على هشاشة الأنظمة القائمة حاليا.
فالسلطة التي تستنفر لمنع كاتب من إبداء رأيه، مع ملاحقته من زاوية إلى أخرى، ما هي إلا سلطة تعيش على أنفاس تراها من منظورها الضيق على أنها الأخيرة.
ورغم كل التحامل على الحرية في الكتابة الأدبية، تبقى هذه الأخيرة من وسائل التغيير نحو الأفضل، وإن رآها الكثيرون مجرد تمرد لا يخلق إلا الفوضى والعبثية، ويصرف الأنظار عن مستقبل الشعوب، ويؤصل التشاؤم في نفس الفرد العربي.
ورغم ذلك أيضا، يبقى الكاتب الحر في النهاية وحده من يذكر السلطة بأن الواقع أسوأ، وأن التقدم لن يكون أبدا داخل أنظمة تكمم الأفواه أو تكسر الأقلام الحرة، بل يبدأ حين نعترف بالحق في الكتابة والنقد، حتى وإن كانا لاذعين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك