يعد إقليم فطّاني الذي يقع جنوب تايلاند نموذجًا فريدًا للتمسك بالهوية الإسلامية وثقافة الملايو، وهو إقليم غني بالموارد الطبيعية كالذهب والقصدير والمطاط الطبيعي والأخشاب وثمار جوز الهند والأرز والأسماك والنفط والغاز الطبيعي، ويبلغ مدخول فطّاني نحو 35% مقارنة بالدخل العام لتايلاند كلها.
وكانت بضاعة الإقليم تصل لجميع موانئ جنوب شرق آسيا، وازدهرت أحوالها وقت حكم السلاطين والسلطانات المسلمين، وعقدت العديد من الاتفاقات التجارية مع جيرانها، ولم تكن هذه الهوية لتستمر وتزدهر لولا ركيزة أساسية، وهي النظام التعليمي الذي شكل درعًا واقيًا للأجيال المتعاقبة، وجسراً لنقل المعارف الشرعية والعربية من جيل إلى جيل.
إن التعليم في فطّاني ليس مجرد تحصيل أكاديمي، بل رسالة حضارية توازن بين أصالة المدارس التقليدية التي تعرف بـ" البونداك" التي خرجت العلماء والفقهاء، وبين معاصرة المدارس الإسلامية الخاصة والجامعات الحديثة مثل جامعة فطّاني التي تسعى لدمج العلوم الدينية بالعلوم الدنيوية؛ لتأهيل شباب واعي يواجه تحديات العصر.
وتشهد المؤسسات التعليمية في فطاني تطورًا هائلاً، رغم أنها تواجة صعوبات وتحديات ازدواجية التعليم بين المنهج الحكومي التايلاندي والمنهج الديني المحلي.
ويمثل نظام التعليم في إقليم فطّاني مزيجَا فريدَا بين التراث الإسلامي بالملايو والسياسات التعليمية التايلاندية الحديثة، كما يتميز بوجود نوعين رئيسيين من التعليم يكملان بعضهما أو يتنافسان أحيانا أخرى.
أولاً - التعليم الديني" المدارس الإسلامية"تعتمد" معاهد داﻻ" على نظام الحلقات العلمية التقليدية، حيث يقوم الشيخ بتدريس الكتب المقررة، ويستمر هذا النوع من التعليم لوقت طويل وغير محدود لضمان فهم الطلاب للمواد الدينية، وتركز على تعليم القرآن، واللغة العربية، والفقه الشافعي، بالإضافة إلى لغة الملايو.
ثانياً - التعليم الحديث والجامعي:جامعة فطّاني" جامعة جالا الإسلامية سابقا" تُمثل جناح التعليم العالي الإسلامي الأهلي، وتعتبر الكلية الوحيدة في جنوب تايلاند التي تدمج بين العلوم الشرعية والأكاديمية، وقد تأسست بدعم من البنك الإسلامي للتنمية، وتسعى هذه الجامعة لتأهيل كوادر أكاديمية ومهنية من الأقلية المسلمة، وتشجع على التعايش السلمي من خلال مواد دراسية تتعلق بالسلام.
ثالثاً - التحديات والتاريخ التعليمي:شهدت المنطقة فترات تم فيها إغلاق المدارس الدينية وإجبار الطلاب على اعتناق أساليب تعليم تايلاندية، خاصة منذ عام 1938م، كما توجد مدارس حكومية تايلاندية تدرس المنهج الوطني، وتوجد جهود لدمج المواد الإسلامية فيها.
ويحرص طلاب فطّاني على السفر إلى الأزهر الشريف في مصر لتلقي التعليم الديني المعتدل والعودة لنشر الفكر الوسطى.
رابعا - الوضع الحالي للتعليم:يسعى نظام التعليم الحالي للموازنة بين الهوية الإسلامية الملايوية والمتطلبات الأكاديمية والمهنية المعاصرة جامعة فطّاني نموذجا، مع وجود حضور لجامعات أخرى حكومية وأهلية تقدم برامج في الدراسات الإسلامية والعربية.
ومملكة فطاني هي سلطنة إسلامية ملايوية تاريخية عريقة، تأسست في القرن الخامس عشر الميلادي في أقصى جنوب تايلاند الحالية على الحدود الماليزية، شكلت لقرون مركز علمي وتجاري مهم، وتتميز بخصوصية ثقافية ودينية أغلبية مسلمة عن باقي تايلاند، وحيث يعود أصل سكانها للمجموعة الملايوية، وأسلمت منذ عهد الملك محمد شاه في القرن الـ15.
من أهم علماء مملكة فطاني الشيخ داود بن عبد الله الفطاني (ت 1263هـ /1847م)، والشيخ أحمد بن محمد زين المصطفى الفطاني (ت 1325هـ /1908م)، والشيخ زين العابدين بن أحمد الفطاني، والشيخ نيء مَتْ كيشيك الفاني (ت1332هـ/1915م)، والشيخ إبراهيم بن داود بن عبد القادر الفطاني (ت 1413هـ/1993م)، وهو المُلقب بـ" فقيه مكة"؛ وغيرهم من علماء مملكة فطّاني.
وما زال المسلمون يحافظون على لغة الملايو، ويكتبونها بحروف عربية، وقاوم المسلمون أكثر من مرة في ولايات الجنوب التايلندي تغيير لغتهم الملايو واستبدالها بالتايلندية" السيامية" والإنجليزية، وثاروا على حكام الولايات، وعلى مناهج التدريس أكثر من مرة، ويحاولون تعلم العربية؛ لأنها لغة القرآن الكريم، ويعتزون بها.
في النهاية نجد أن قصة التعليم في فطّاني ليست مجرد سرد لمناهج ومؤسسات، ولكن هي حكاية صمود حضاري وثقافي لافت، لقد أثبتت الدراسات والوقائع والمؤسسات التعليمية الدينية التقليدية مثل (البونداك/المدارس الأهلية)، وكانت ولا تزال، الركيزة الأساسية في الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة الملايوية في المنطقة.
ومع ذلك أن المرحلة الراهنة تفرض تحديات جسيمة، أبرزها ضرورة الموازنة الدقيقة بين العلوم الشرعية الأصيلة والمعارف الحديثة التي تقتضيها سوق العمل والتطور التكنولوجي، لقد تبين أن نجاح التعليم في فطاني لا يكمن في استنساخ مناهج خارجية، بل في تطوير مناهج محلية تراعي خصوصية البيئة الثقافية، وتتبنى طرائق تدريس جذابة ومبتكرة.
إن المستقبل يستوجب الانتقال من مرحلة" الحفاظ على الموروث" فقط، إلى مرحلة إبداع الموروث وتطويره و تأهيل المعلمين تأهيلا تربويا وعلميا عصريا، دمج التكنولوجيا في المدارس التقليدية والحديثة على حد سواء، تعزيز الحوار بين المؤسسات التعليمية المحلية والجهات الرسمية لتحقيق تكامل تعليمي يخدم أبناء المنطقة.
إن التعليم في فطّاني هو سبيل النهوض، وهو الاستثمار الحقيقي لمستقبل أجيالها، يبقى الأمل معقوداً على سواعد المخلصين من تربويين وعلماء ومؤسسات، ليظل التعليم جسراً يربط فطاني بماضيها المجيد، وينقلها إلى آفاق المستقبل المشرق، متسلحة بالإيمان، والعلم والمعرفة.
الدكتور سليمان عباس البياضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك