بين الروابي المطلة على قلعة الحصن التاريخية في ريف حمص الغربي، لم تعد أشجار التين مجرد مصدرٍ للثمار، بل تحوّلت إلى رموزٍ نابضة بالذاكرة وهويةٍ لأشخاص غيّبتهم الأحداث، وحرمتهم حتى من شواهد القبور.
في مبادرة إنسانية تحمل شعار" تخليد ذكرى الراحلين"، شهدت المنطقة أمس الثلاثاء فعالية خاصة أُطلق عليها اسم" حدائق التين"، لتكون مساحة رمزية تجمع أهالي المفقودين والمغيبين، وتعيد وصل ما انقطع بين الذاكرة والعدالة.
على أرضٍ صخرية تحوّلت إلى مزارٍ معنوي، تحمل كل شجرة اسماً، ويروي كل غصن حكاية.
وقد زُوّدت الأشجار برموز استجابة سريعة (QR Codes) تتيح للزائرين الاطلاع على قصص المفقودين، في محاولة لتوثيق معاناة مستمرة منذ عام 2014، وإيصالها إلى العالم.
خلفية الحدث: الحصن بين الحصار والفقدتأتي هذه المبادرة في سياق تاريخٍ مثقل بالأحداث التي شهدتها قلعة الحصن خلال سنوات الثورة السورية.
فبحسب ما تضمنته المواد التعريفية المصاحبة للفعالية، بلغ عدد سكان المنطقة قبل عام 2011 نحو ثلاثين ألف نسمة، إلا أن المدينة فقدت جزءاً كبيراً من سكانها نتيجة للقتل والاعتقال والاختفاء القسري.
وتشير التقديرات إلى سقوط مئات الضحايا، بعضهم قضى في السجون أو خلال المواجهات، في حين اختفى عدد كبير منهم بعد مرورهم عبر حواجز أو طرقات محددة في المنطقة، خاصة بين عامي 2012 و2014، من دون توفر معلومات مؤكدة عن مصيرهم حتى اليوم.
وتوضح المواد أيضاً أن كثيراً من حالات الفقد طالت نساءً وأطفالاً، وأن بعض الروايات التي وصلت لاحقاً تحدثت عن انتهاكات جسيمة، ما زاد من تعقيد ملف المفقودين وألمه.
شهادات حيّة ومعاناة مستمرةفي حديثها عن مشاركتها، قالت حنان محمد شعار، وهي شقيقة مفقودين، إنها جاءت لتغرس شجرة تحمل رمزية كبيرة، موضحة أن هذه المبادرة تمنح الأهالي شعوراً بأن لديهم مكاناً يزورون فيه أحبتهم، ولو بشكل معنوي.
واستعادت تفاصيل اختفاء أفراد من عائلة شقيقتها عام 2014 بعد مرورهم عبر طريق الرويس، مشيرة إلى أن مصيرهم لا يزال مجهولاً حتى اليوم.
وأضافت أن زوجها وعدداً من أقاربه اعتُقلوا على الحواجز الأمنية التابعة لنظام الأسد المخلوع، من دون أي معلومات مؤكدة عن أماكن وجودهم حينها، مؤكدة أن مطلبها الأساسي هو تحقيق العدالة ومعرفة مصيرهم، حتى لو كان ذلك بالكشف عن أماكن دفنهم، في ظل تقارير تتحدث عن ممارسات تتجاوز الدفن إلى الحرق.
من جهتها، روت صفاء وهبي، قصة فقدان عائلتها بالكامل تقريباً، بمن فيهم والدها أحمد وهبة، مدرس اللغة العربية في المنطقة، الذي ترك رسالة وجدوها عند عودتهم من النزوح القسري، تعبّر عن وحدة المجتمع مع المناطق المجاورة ممن كان بعضها يشكل تهديداً حقيقياً على أهالي الحصن وممن مارسوا الاعتداء والتهجير حسب قولها، وترفض الرسالة الانقسام، وتؤكد أن بشار الأسد إلى زوال.
وأشارت إلى أن عائلتها عاشت سنوات الحصار قبل أن تختفي آثار عدد كبير من أفرادها، بينهم نساء وأطفال.
وأضافت أن مطلبها لا يتجاوز العدالة وكشف الحقيقة والاعتراف بالخطأ، بعيداً عن أي نزعة انتقامية، مشددة على أهمية معرفة مصير المفقودين وظروف أيامهم الأخيرة.
تضامن مجتمعي ودعوات للعدالةبدوره، وصف الأب بطرس حزوري، كاهن رعية منطقة المزينة، الفعالية بأنها" إنسانية بامتياز"، رغم تأخرها، مؤكداً أهميتها في حفظ ذكرى المفقودين ومواساة ذويهم.
وأشار إلى أن المشاركة الجماعية تعكس وحدة المعاناة بين السوريين، وتؤكد أن الألم مشترك.
ودعا حزوري إلى تحقيق العدالة الانتقالية، وكشف الحقائق المتعلقة بمصير المفقودين، باعتبار ذلك حقاً أساسياً لكل عائلة، وضرورة لإنهاء حالة الاحتقان والشعور بالظلم.
مبادرة توثيقية بأدوات حديثةمن جانبها، أوضحت ياسمين مرعي، إحدى المشاركات في الفعالية، أن المبادرة تهدف إلى تخليد ذكرى المفقودين في قلعة الحصن، ومنح ذويهم مساحة رمزية للتعبير عن فقدهم.
كما دعت كل من يمتلك معلومات حول مصير المفقودين إلى مشاركتها مع الجهات المعنية، خاصة فيما يتعلق بالأشخاص الذين فقدوا على الطرقات المختلفة في المنطقة.
أما جابر بكر، المسؤول عن مشروع" حدائق التين" في دار إيبلا، فأشار إلى أن المبادرة انطلقت قبل نحو ثلاث سنوات، وتهدف إلى تخليد ذكرى جميع الراحلين، بمن فيهم الضحايا والمغيبون وحتى الذين قضوا في رحلات الهجرة.
وأوضح أن التذكير هو أحد أدوات العدالة الانتقالية، وأن الحفاظ على الذاكرة يمهّد الطريق للمطالبة بالحقوق، مؤكداً أن العدالة لا تعني الانتقام، بل محاسبة المسؤولين وكشف الحقيقة.
وأضاف أن استخدام التكنولوجيا، عبر رموز QR، يتيح للراحلين" رواية قصصهم" بأنفسهم، في رسالة مواساة لأهاليهم.
ذاكرة جماعية في مواجهة النسيانلا تقتصر حدائق التين على كونها مشروعاً بيئياً أو فنياً، بل تمثل محاولة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية، وكسر حالة الصمت التي تحيط بملف المفقودين بحسب الحاضرين.
فالمكان، بتصميمه وطبيعته التشاركية، يعكس رغبة الأهالي في تحويل الحزن الفردي إلى فعل جماعي يطالب بالحقيقة والعدالة.
كما أن اختيار شجرة التين يحمل دلالة خاصة لديهم، باعتبارها شجرة مرتبطة بالبيئة السورية وقادرة على الصمود في الظروف القاسية، في إسقاط رمزي على صمود الأهالي وتمسكهم بحقهم في معرفة مصير أحبّتهم.
يذكر قلعة الحصن ضمن سلسلة جبال الساحل السوري، على بُعد نحو 60 كيلومتراً غرب مدينة حمص، وتُعد من أبرز القلاع التاريخية في العالم، وقد أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي لما تحمله من قيمة تاريخية ومعمارية فريدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك