في لحظة بدت خفيفة على مائدة رسمية في واشنطن، أعاد الملك تشارلز الثالث استحضار واحدة من أكثر المحطات حساسية في التاريخ العربي، حين أشار إلى أزمة" العدوان الثلاثي" على مصر خلال مأدبة عشاء في البيت الأبيض، وسط أجواء ودية وضحكات الحضور، بمن فيهم الرئيس دونالد ترمب.
الإشارة التي جاءت ضمن خطاب دبلوماسي مرح، استدعت زيارة والدته إليزابيث الثانية إلى واشنطن عام 1957 لإصلاح العلاقات بعد الأزمة، في تذكير ضمني بلحظة تاريخية اضطرت فيها المملكة المتحدة إلى التراجع تحت ضغط الولايات المتحدة.
على رغم أن الصحافة الغربية قرأت التعليق بوصفه" مزحة راقية" أو تحذيراً ناعماً لواشنطن بألا تكرر أخطاء حليفتها في الماضي، فإن وقعه في الذاكرة العربية مختلف تماماً.
فهذه الأزمة ليست محطة دبلوماسية، بل جرحاً عميقاً في الوعي الجمعي، خصوصاً في مصر والخليج، إذ ارتبطت بحرب الكرامة ضد عدوان ثلاثي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، بعد تأميم القاهرة في العهد الناصري قناة السويس.
كما تستحضر لحظة تضامن عربي أوسع، من بينها مشاركة السعودية، التي تداولت الذاكرة الشعبية فيها صورة للملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز في شبابه بين متطوعين مستعدين للقتال، في لقطة حملت في جوهرها تعبيراً عن حالة التعبئة العربية آنذاك.
هذا التناقض بين خفة اللحظة في واشنطن وعمقها في الوجدان العربي يطرح سؤالاً حول حدود توظيف التاريخ في الخطاب الدبلوماسي، فبينما نجحت الإشارة في تعزيز" العلاقة الخاصة" بين لندن وواشنطن، قد ينظر إليها عربياً كاستخفاف غير مقصود بذكرى مؤلمة، حتى وإن جاءت في سياق غير عدائي.
ومع ذلك، يصعب تحميل الملك تشارلز نية التجريح، إذ يعرف بعلاقاته الودية مع العالم العربي، وزياراته المتكررة إلى دوله، من بينها مصر والسعودية، واهتمامه بالحوار الثقافي والديني.
لكن التاريخ العربي لم يكن الوحيد الذي وظفت جراحه في تحلية المناسبة الناعمة، فحتى الأميركي والبريطاني كانا عرضة للتفكه والسخرية من الملك والرئيس، خصوصاً عند قول الأخير" ماذا كان سيقول الآباء المؤسسون لأميركا لو رأوا أحد أحفاد الملك جورج الثالث (ملك بريطانيا الذي حاربته أميركا لتستقل عن بريطانيا) يتحدث إلى خلفائهم في واشنطن"؟ يجيب ساخراً، ومثيراً شهية المصفقين" ربما كانوا سيصدمون بشدة، ولكن للحظة فقط.
لا شك أنهم كانوا سيسعدون بأن جراح الحرب قد تلاشت، لتتحول إلى أثمن صداقة.
"بينما قلب تشارلز الطاولة على ترمب في نكتة أخرى، لكنها شديدة الجدية، حينما خاطبه قائلاً" قلتَ أخيراً سيادة الرئيس، بأنه لولا أميركا لكانت الدول الأوروبية تتكلم الألمانية.
أجرؤ على القول إنه لولانا، لكنتم تتكلّمون الفرنسية".
كانت المواجهات التي عرفت لاحقاً بـ" العدوان الثلاثي" اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1956 بعد قرار جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، مما دفع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لشن هجوم مشترك بهدف استعادة السيطرة على الممر الاستراتيجي وإضعاف مصر.
غير أن ضغوطاً دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، أجبرت القوات المعتدية على الانسحاب، لتتحول الأزمة إلى انتصار سياسي لمصر وتراجع نفوذ القوى الاستعمارية.
في الصحافة الأميركية، اعتبر الاستدعاء التاريخي أقرب إلى مزحة ذكية، تحمل أكثر من دلالة.
فقد رأت" نيويورك تايمز" أن إشارة الملك كانت" رداً خفياً ولبقاً" ضمن خطاب خفيف الظل، نجح في تحويل أزمة ثقيلة إلى لحظة إنسانية مشتركة على الطاولة، مع تأكيد أن الهدف الأعمق للزيارة هو ترميم العلاقات عبر الأطلسي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ووقفت عند تعليق تشارلز على استدعاء عام 1957، وسط ضحكات بعض ضيوف العشاء، مما دفع ترامب إلى الالتفات والابتسام" من الصعب تخيل حدوث شيء كهذا اليوم، لكن من السهل إدراك مدى أهمية هذه العلاقة في الأمور الظاهرة والخفية على حد سواء".
أما" سي إن إن" فذهبت أبعد من ذلك، واعتبرت التعليق" تحذيراً ناعماً" موجهاً لواشنطن، يذكرها على نحو غير مباشر بأخطاء الماضي، في ظل خلافات حالية حول ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها الحرب مع إيران.
في المقابل، تناولت الصحافة البريطانية الحدث بوصفه نموذجاً لـ" الدبلوماسية الناعمة" التي تتقنها المؤسسة الملكية.
فقد ركزت" بي بي سي" على السياق العام للزيارة ولحظاتها الفارقة، معتبرة أن استحضار أزمة السويس يأتي ضمن محاولة أوسع لإعادة تثبيت" العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة على رغم التباينات السياسية.
بينما وصفت" التايمز" الخطاب بأنه" قفزة خفيفة" نحو الماضي، استخدمها الملك بمهارة لتحويل ذكرى توتر إلى رسالة إيجابية مفادها بأن الخلافات لا تفسد جوهر التحالف.
على مستوى التحليل، اتفقت معظم التغطيات الغربية على أن ما قام به الملك تشارلز الثالث لم يكن مجرد دعابة عابرة، بل توظيف محسوب للتاريخ في خدمة الحاضر.
فالإشارة إلى أزمة السويس، كما قرأها محللون، أعادت التذكير بلحظة اضطرت فيها لندن إلى مراجعة حساباتها تحت ضغط واشنطن، في تلميح غير مباشر إلى أن على الولايات المتحدة اليوم أن تصغي أيضاً لنصائح حلفائها.
وبينما بدت الضحكات في القاعة دليلاً على نجاح اللحظة بروتوكولياً، فإن صداها في الإعلام كشف عن عمق الرسالة السياسية الكامنة خلف هذه" النكتة الملكية".
لكن الرسالة المركزية للملك البريطاني في تقدير ديفيد سميث من" غارديان"، أريد بها إظهار المصير المشترك بين الدولتين، إلا أنه بصورة غير مقصودة" بمثابة تذكير بحال إمبراطوريتين تتراجعان بصورة متزايدة هذه الأيام مع صعود الشعبويين اليمينيين وشبح مرتكب الجرائم الجنسية جيفري إبستين الذي يحوم في الظلال".
وهكذا يكون استدعاء أزمات الشرق الأوسط والعرب بين الأمس حين العدوان الثلاثي، واليوم مع تفجر الأوضاع في المنطقة، إسقاط قد يبدو عابراً ومضحكاً، لكن الظروف تجعله عميق الدلالة، وصعب التجاوز.
إلا أن الهدف الأبرز للزيارة الذي تقول الصحافة الغربية إن تشارلز نجح في تحقيقه، هو إيقاف الانهيار في العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن.
ولمثل هذه اللحظة" تقدر الحكومة البريطانية العائلة المالكة باعتبارها ورقة رابحة في يدها في المجال الدبلوماسي، إنها ليست عصا سحرية، لكنها تساعد"، كما يقول أحد المعلقين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك