صدم الكثير من الكنديين وفرح معظمهم عندما استمعوا لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني يصرح بأن العلاقات الاقتصادية القوية بين كندا والولايات المتحدة هي في الحقيقة نقطة ضعف لا بد من تصحيحها ومعالجتها، للحصول على استقرار أكبر في عالم غير مستقر أساسا.
وسبب الصدمة والفرح كذلك يكمن في أن هذا التصريح يشكل تحولا جذريا في السياسة الكندية، لأنه يخالف عقودا من التقاليد السياسية الكندية، التي أعطت الأولوية لاندماج كندا العميق مع الولايات المتحدة.
فهذا التصريح ينقل كندا من كونها مجرد دولة تابعة للولايات المتحدة، إلى قوة عظمى ذات سيادة وإلى دولة مكتفية ذاتيا في الكثير من المجالات.
شكل وصول مارك كارني إلى منصب رئاسة الوزراء لحظة فارقة في تاريخ كندا، إذ افتتح فصلا جديدا في السياسة الكندية التقليدية وشرع في قطيعة مع عقود من التبعية للولايات المتحدة، واستهلّ مرحلة جديدة لتشكيل هوية كندية وطنية أكثر استقلالا وثباتا.
وقد أعادت قيادته التي اتسمت برؤية ثورية وتقدمية وواقعية، تعريف علاقة كندا بجارتها الجنوبية، الولايات المتحدة، تعريفا جذريا.
فقد نجح كارني في دحض الفكرة السائدة منذ زمن طويل بأن كندا يجب أن تظل دائما تابعا وظلا للنفوذ الاقتصادي والسياسي الأمريكي، مُرسخا نفسه قائدا ثوريا يعطي الأولوية للسيادة الكندية ويضعها فوق كل اعتبار، ويدافع عن واقعية أساسها القيم، تسعى إلى ترسيخ مكانة كندا كقوة عالمية مستقلة لا مجرد تابع إقليمي للولايات المتحدة.
وتتجلى الهوية السياسية المستقلة لرئيس الوزراء مارك كارني، في اعتقاده الذي فاجأ به الجميع وهو، أن العلاقات التقليدية الوثيقة بين كندا والولايات المتحدة، تحوّلت من ميزة استراتيجية إلى نقطة ضعف جوهرية لا بد من التغلب عليها، فكارني يرى أن كندا لم تعد قادرة على تحمل تبعيتها للولايات المتحدة، في ظل بيئة تتسم بسياسات تجارية غير متوقعة، وفي ظل السياسات الاقتصادية الأمريكية، التي صممت لحماية الصناعات الأمريكية المحلية من المنافسة الأجنبية، من خلال رفع أسعار السلع المستوردة أو جعل الحصول عليها أكثر صعوبة لتشجيع المستهلكين الأمريكيين على شراء المنتجات الأمريكية الصنع، ودعم الوظائف الأمريكية المحلية وتعزيز الناتج الأمريكي المحلي الإجمالي وضمان الأمن القومي الأمريكي.
رغم وجود منتقدين لسياسة كارني يتخوفون من المخاطر الاقتصادية المترتبة على الانفصال عن الولايات المتحدة، إلا أنه لا يزال متمسكا بإيمانه بأن الكنديين لا بد أن يكونوا أسيادا في بلادهموتمثّل خطة كارني التي أطلق عليها تسمية (كندا القوية) خطوة جريئة نحو تحقيق الاكتفاء الاقتصادي الذاتي، مع التركيز على تنويع التجارة وتعزيز القوة الداخلية.
فلتحقيق الاستقلال الاقتصادي، سعى كارني سعيا حثيثا إلى تحصين الاقتصاد الكندي ضد السياسات التجارية للرئيس الأمريكي، من خلال السعي إلى إقامة شراكات تجارية عالمية جديدة تتجاوز الولايات المتحدة ولاسيما مع أوروبا والمملكة المتحدة والقوى الناشئة مثل، الهند والصين.
فقد وقّع كارني على 12 اتفاقية تجارية وأمنية عبر أربع قارات، ووفر تسهيلات ائتمانية لتصدير البضائع الكندية بقيمة 25 مليار دولار لمساعدة الشركات الكندية على الوصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي وجنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية.
وتستند هذه الخطة إلى فرضية أن كندا تمتلك الثروات والموارد اللازمة لتحقيق الازدهار الاقتصادي، تحقيقا مستقلا.
فبدلا من تصدير المواد الخام لتقوم الشركات الامريكية بمعالجتها وبيعها مرة أخرى، تركز سياساته على الاستحواذ على سلسلة القيمة الكاملة داخل الحدود الكندية، كذلك سعى كارني إلى ضمان وصول الطاقة الكندية إلى الأسواق العالمية مباشرة، بدلا من الاعتماد كليا على خطوط الأنابيب الأمريكية، من خلال توقيع اتفاقية مع مقاطعة البرتا الكندية لإنشاء خط أنابيب نفط يصل إلى سواحل مقاطعة كولومبيا البريطانية.
كما تهدف سياسة رئيس الوزراء الكندي إلى توحيد البلاد، وخلق سوق محلية أكثر مرونة من خلال توطين الاقتصاد الكندي، وإزالة الحواجز الفيدرالية أمام التجارة بين المقاطعات الكندية، وتسريع مشاريع البنية التحتية الكبرى، بسن قانون الاقتصاد الكندي الموحد، الذي يهدف إلى حماية الكنديين من الحروب التجارية غير المبررة، ومن سياسة واشنطن في استغلال العلاقات لتحقيق الأرباح.
كما أطلق كارني تفويضا وجه من خلاله المواطنين الكنديين لشراء المنتجات الكندية بدلا من شراء المنتجات الأمريكية، للحفاظ على أموال دافعي الضرائب الكنديين داخل الاقتصاد الوطني.
كما أنشأ صندوقا لبراءات الاختراع الكندية، يهدف إلى الحفاظ على الملكية الفكرية الكندية، بدلا من دعم الاقتصاد الأمريكي بالاختراعات الكندية.
ورغم سعي حكومته لتوسيع الشراكات الدفاعية مع حلفاء آخرين غير الولايات المتحدة مثل، المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أن حكومته ستركز على إعطاء الأولوية للموردين الكنديين للصلب والألمنيوم والخشب في عمليات المشتريات الفيدرالية والدفاعية بشكل تلقائي، من خلال تبنيها سياسة (أن العميل الأفضل هو العميل الكندي المحلي) واستخدام أموالها العامة التي يتوقع أن تصل إلى 70 مليار دولار من الاستثمارات الإضافية، لبناء صناعات محلية في قطاعات الصلب والألومنيوم والتصنيع النظيف، لتعزيز فكرة أن كندا لا بد أن تكون أفضل مستهلك لبضاعتها المحلية.
كما تشمل رؤية كارني جعل كندا رائدة عالميا في مجال الطاقة النظيفة والتقليدية، لضمان السيادة في مجال الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات الأمريكية.
أما في مجال الدفاع فيسعى كارني إلى تحقيق مزيد من الاستقلال والسيادة الاستراتيجية لضمان ألا تكون كندا رهينة لقرارات الآخرين في ما يتعلق بأمنها القومي.
فخلال كلمته الختامية في المؤتمر الوطني للحزب الليبرالي، الذي انعقد في 11 أبريل 2026 في مونتريال، صرح كارني بأن اعتماد كندا الكبير على التصنيع العسكري الأمريكي، أصبح نقطة ضعف استراتيجية، وأن الأيام التي كانت فيها القوات المسلحة الكندية ترسل 70 سنتا عن كل دولار إلى الولايات المتحدة، قد ولت وأن كندا ستتحول إلى الإنتاج الدفاعي المحلي.
ويبدو أن هذا التصريح سيشكل محورا أساسيا في استراتيجية الصناعات الدفاعية الجديدة، التي تتبناها حكومة كارني من أجل الابتعاد بكندا من الاعتماد على شركات المقاولات الدفاعية الأمريكية، التي ظلت ولعقود تزود كندا بالمعدات الدفاعية بنسبة سبعين في المئة.
فمن خلال مضاعفة الإنفاق الدفاعي وإعادة الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية، ستتمكن كندا من مراقبة وتأمين حدودها ومواردها في القطب الشمالي، دون الحاجة إلى الاعتماد على مساعدة الولايات المتحدة في هذا الشأن.
كما بدأت كندا بالاضطلاع بدور أكثر فاعلية في المنظمات متعددة الأطراف والعمل مع شركاء موثوقين، لمواجهة تصاعد التنافس بين القوى العظمى وحماية النظام الدولي القائم على القواعد والقوانين.
ويرى الكثير من الكنديين المؤيدين لكارني أن نهجه يمثل أفضل مسار لكندا على المدى البعيد، لأنه يهيئ كندا لعالم تهيمن عليه القوة ويسوده التفكك مما يقلل الثقة في الحلفاء التقليديين.
لقد احدثت هذه السياسة الجديدة لرئيس الوزراء كارني، انقساما حادا بين الذين يرونها تطوراً ضرورياً نحو الاستقلال الوطني لكندا، والذين يعتبرونها تحولا انعزاليا محفوفا بالمخاطر الاقتصادية.
ورغم وجود منتقدين لسياسة كارني من الذين يتخوفون من المخاطر الاقتصادية المترتبة على الانفصال عن الولايات المتحدة، إلا أنه لا يزال متمسكا بإيمانه بأن الكنديين لا بد أن يكونوا أسيادا في بلادهم.
وهكذا ستبقى فترة ولايته نقطة تحول تأريخية لا تنسى، وعلامة مضيئة في التاريخ الكندي ستتذكرها الأجيال القادمة التي ستحتفي بقرار أحد السياسيين الكنديين الشجعان، أن يكون مستقبل كندا نابعا من قوتها الداخلية ومن طموحها العالمي وليس من مجاورتها للولايات المتحدة وتبعيتها لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك