تعيد الجزائر تدريجياً هيكلة قطاع صناعة السيارات وتوطين مختلف مجالات التصنيع المرتبطة به، بما يشمل قطع الغيار والأجزاء والهياكل المعدنية والبلاستيكية وغيرها، في محاولة لتصحيح تجربة فوضوية سابقة فشلت فيها البلاد في تطوير هذه الصناعة.
وقد جرى تنفيذ تلك التجربة قبل عام 2019، نتيجة خيارات خاطئة كلفت الخزينة العمومية مليارات الدولارات، وجرى توظيفها في مشاريع فاشلة وغير مؤسسة، استُغلت في الوقت نفسه لتهريب مبالغ كبيرة من العملة إلى الخارج.
ودشّن رئيس الحكومة الجزائرية، سيفي غريب، الأربعاء، مصنعين ووحدة لصناعة أجزاء من السيارات والشاحنات.
يقع الأول في تيسمسيلت غربي البلاد، ويختص بإنتاج المكونات واللواحق البلاستيكية الداخلة في صناعة السيارات، ويعمل بأحدث التقنيات المستخدمة عالمياً في هذا المجال، على أن يبدأ الإنتاج الفعلي في سبتمبر/ أيلول المقبل.
أما المشروع الثاني، ففي باتنة شرقي الجزائر، ويُعنى بإنتاج القطع والأجزاء المعدنية عبر تقنية القولبة، إضافة إلى هياكل السيارات والمكونات الداخلية الأساسية.
ويستفيد هذا المصنع من صفائح حديدية خاصة بالسيارات يوفرها مصنع الحديد" توسيالي"، التابع لشركة تركية في وهران غربي البلاد، ما يتيح قيام منظومة صناعية متكاملة في مجال تحويل الصفائح المعدنية.
كما جرى، الأربعاء، تدشين وحدة ثالثة لتركيب غرف التبريد الخاصة بالشاحنات.
وأُعيد فتح هذه المصانع وتجهيزها في إطار بعث المشاريع المصادرة ضمن جهود مكافحة الفساد، وذلك عقب استرجاع الحكومة الجزائرية للأملاك المصادرة من رجال أعمال مدانين في قضايا فساد، صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية بحجز ممتلكاتهم الناتجة عن نهب المال العام، وإعادة توظيفها بما يخدم الاقتصاد الوطني، باعتبارها ممتلكات عمومية ينبغي تثمينها لصالح المواطنين.
ويأتي ذلك في سياق تنفيذ الخطة الحكومية لتعزيز أدوات الاقتصاد المنتج وخلق قيمة مضافة، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز الإدماج المحلي في صناعة المركبات، ودعم سلاسل التوريد الوطنية، وتغطية احتياجات السوق المحلية، مع التوجه مستقبلاً نحو الأسواق الإقليمية، إلى جانب الإسهام في خلق مناصب شغل نوعية ونقل التكنولوجيا وتدريب الكفاءات البشرية العاملة في القطاع الصناعي.
وقال رئيس الحكومة، سيفي غريب، في تصريح صحافي، إن" صناعة السيارات في الجزائر تسير بخطى ثابتة وبقدرات جزائرية ضمن رؤية مدروسة، والمشهد اليوم بدأ يكتمل، والرؤية تتضح بفعل المشاريع التي تم إطلاقها، ووجود نسيج صناعي داعم يشمل صناعة البطاريات وأنظمة الفرامل"، مضيفاً أنه" سيتم الإعلان عن مشاريع أخرى قريباً".
وشدد على أن مسار توطين صناعة السيارات في الجزائر يجري" بعيداً عن الضوضاء وعن سياسة نفخ العجلات"، في إشارة إلى التجربة السابقة قبل عام 2019، حين حصل عدد من رجال الأعمال على اعتمادات لإنشاء مصانع سيارات، واستوردوا معدات لإقامة مصانع شكلية، بينما كانوا في الواقع يستوردون السيارات مفككة ويعيدون تركيبها فقط، ثم تُسوق في السوق المحلية على أنها صناعة محلية.
وقد جرت لاحقاً ملاحقة هؤلاء ومصادرة مصانعهم لصالح الدولة.
وكان رئيس الحكومة يشير بذلك إلى سعي الدولة إلى" إحداث قطيعة مع التاريخ الأسود لبعض المحتالين في مجال صناعة السيارات قبل سنة 2019"، كما يرد في الوقت نفسه على انتقادات حادة تُوجّه للحكومة بسبب تشددها في إغلاق السوق ومنع استيراد السيارات منذ ثلاث سنوات، وعدم توفير حاجيات السوق المحلية من السيارات الجديدة وقطع الغيار، حيث تعاني السوق من أزمة كبيرة في هذه المواد، في وقت لم تبدأ فيه المشاريع المحلية بعد بتلبية الطلب.
وتتطلع الجزائر إلى أن يسهم قطاع السيارات بما لا يقل عن 12% في الناتج الداخلي الخام.
وبحسب التقديرات الحكومية، فإن إنشاء وتعزيز قاعدة صناعية في هذا المجال يتطلب وجود نحو 500 شركة متخصصة في تصنيع مختلف قطع الغيار التي تحتاج إليها سلاسل التصنيع.
ومنذ إبريل/ نيسان 2025، باشرت الحكومة الجزائرية مفاوضات مع 13 شركة أجنبية تعمل في مجال تصنيع السيارات ومدخلاتها، للاستثمار وإقامة مشاريع في الجزائر، بهدف تغطية احتياجات السوق المحلية من السيارات ولواحقها وقطع الغيار، من بينها شركة" هيونداي"، التي وقّعت بروتوكول تفاهم مع وزارة الصناعة لمرافقة مصنعي قطع الغيار، وكذلك شركة صينية وقّعت اتفاقاً أولياً لإنجاز مصنع لها في الجزائر.
ويعمل حالياً مصنع سيارات واحد في الجزائر، هو مصنع شركة" فيات" الإيطالية في وهران، والذي بدأ الإنتاج في ديسمبر/ كانون الأول 2023، حيث أنتج نحو 60 ألف وحدة في عام 2025، ويخطط لبلوغ 90 ألف مركبة بنهاية عام 2026، في حين لا يزال مصنع تابع لشركة" رينو" الفرنسية في المنطقة نفسها متوقفاً بسبب مشكلات متعددة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك