اتّخذَت الجمعيّة الملكيّة (وهي واحدة من أقدم المؤسسات العلميّة، وتأسست في لندن عام 1660) شعارًا لها، وهو: «لا تُسَلِّم جدلًا بصحة أي رأي دون أن تتحقق منه».
لم يكن هذا الشعار صرخة وجوديّة فحسب، ولا مجرد نصيحة منهجيّة للباحثين والعلماء، بل كان عنوانًا لوثيقة استقلال العقل البشري من هيمنة السلطة وتمزيقًا لشرعيتها واستحواذها على المعرفة والاحتكام إليها كمصدرٍ موثوق ونهائي، بل ومحتكرٍ للمعرفة.
يستخدم المؤرّخون والفلاسفة لفظ «التنوير» للدلالة على اتجاهات مختلفة، بعضها قد يكون متعارضًا بقوة مع البعض الآخر، إلا أن هنالك شيئًا واحدًا تتفق عليه معظم مفاهيم التنوير، إن لم تكن جميعها، وهو أنه كان «تمرّدًا»، تحديدًا ضد السلطة على المعرفة.
التنوير بوصفه تمردًا ضد السلطة، لم يكن مجرد تراكم للمعلومات، بل هو ثورة ضد الوصاية على العقل.
وكانت الثورة العلمية جزءًا مفصليًا من هذا التمرد واسع النطاق، بل ويعتبرها البعض عموده الفقري، حيث انتقل الإنسان من كونه متلقيًا سلبيًا للحقيقة من مراجع دينيّة «مقدّسة» أو سلطة سياسية أو حتى حجج فلسفيّة (أرسطيّة)، إلى كاتبٍ نشطٍ لقصة الوجود وذلك عبر الملاحظة، الافتراض، النقد، الاستقصاء ومن ثم التحليل، الاستنتاج والتفسير.
إلا أن التمرّد ضد السلطة لا يمكن أن يكون وحده هو ما أحدث الفارق بين مفهوم المعرفة قبل التنوير وبعده؛ فلقد رُفضت السلطة عدة مرات في التاريخ، ونادرًا ما أدّى هذا إلى أي ناتج ٍطيب مستدام؛ فكثيرًا ما أطاح التمرد بسلطةٍ معرفيةٍ قديمةٍ ليضعَ مكانها وثنًا جديدًا لا يقل عنها استبدادًا.
لذا، كان من الضروري لنمو المعرفة باستمرار وسرعة أن ينشأ «تقليد النقد» وهنا تكمن العبقريّة التنويريّة، هي لم تستبدل سلطة بأخرى فحسب، بل استبدلت مبدأ السلطة والوصاية المعرفية الآسنة بمبدأ النقد الديناميكي.
ربما كان عالم الفيزياء غاليليو غاليلي أول من أدرك أهميةَ الاختبارات التجريبية، أن الحقيقة لا تنال بالورع ولا باجترار الاقتباسات، بل بما أسماه «المحاكمة بالمحنة».
حيث تُوضع الفرضيّة في أتون التجربة القاسية، فإن صمدت بقيت، وإن احترقت نُحِّيَت.
إن التنوير ليس عصرًا انتهى، بل هو ممارسة يومية تبدأ في اللحظة التي نتوقف فيها عن التسليم، ونبدأ فيها بالسؤالأما اليوم، فإن القابلية للاختبار اصطُلِح على كونها الميزة التعريفيّة للمنهج العلميّ أو كما صقلها كارل بوبر بـ»القابلية للتكذيب»، فأصبحت «معيار الفصل» بين ما هو عِلم وما هو ليس بعِلم.
وعليه، بموجب هذا المعيار، لم يعد العِلم هو المعرفة «المطلقة» التي لا يأتيه الباطل من بين يديها، بل هو المعرفة التي تملك الشجاعة لتعريض نفسها للنقد والاختبار.
العِلم، في أرقى صوره، هو سلسلة من التفسيرات التي تنتظر من يثبت خطأها لتفسح المجال لما هو أدق.
كل هذا يمكننا أيضا أن نطبّقه على السياسة، أي نقل هذه العدوى الفلسفية من المختبَر إلى الميدان السياسي.
فإذا كان الهدف من تبديل السلطات العلمية هو الوصول إلى حقيقة أدق، فإن الهدف من تداول السلطة السياسية ليس مجرد تغيير الوجوه، بل هو مأسسة النقد.
ليس تبديل السلطة هو الهدف، بل هو وسيلة فقط من خلالها نمارس مفهوم النقد باطراد لا ينقطع، يكون هو بداية التغيير الذي لا ينتهي.
لأن الثورة هي كيفما نظرت إليها هي ليست اللحظة التي يسقط فيها النظام، بل هي «فعل نقدي» مضارع لا يتوقف عن المراجعة والمساءلة التي تمنع السلطة من أن تتحول الى واقع سياسي يقيني قاهر.
إن المسيرة البشرية نحو التقدم لا تتحرك في خط مستقيم، بل في حركة لولبية متداخلة يحركها محركان لا ينفصلان: الافتراض الجريء والنقد الصارم.
نحن نتقدم بقدر ما نسمح لأفكارنا (ولأنظمتنا) بأن تموت نيابةً عنا في مختبرات النقد والمساءلة، لكي نحيا نحن بحقائق أكثر موضوعية وبسلوكيات أكثر إنسانية وأقل استبدادًا.
إن التنوير ليس عصرًا انتهى، بل هو ممارسة يومية تبدأ في اللحظة التي نتوقف فيها عن التسليم، ونبدأ فيها بالسؤال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك