بين تحديات الواقع وطموحات الرؤية، ومايشهده التحول الاقتصادي المتسارع بالمملكة العربية السعودية، لم تعد حوكمة الشركات مجرد ترف تنظيمي أو قائمة مهام يتم استيفاؤها لإرضاء الجهات الرقابية؛ بل أصبحت العمود الفقري لضمان استدامة الشركات وقدرتها على جلب الاستثمارات الأجنبية.
إن" مجلس الإدارة" هو المسؤول الأول عن هذا التحول، حيث يتطلب الواقع الجديد انتقالاً جذرياً من نموذج" تسيير الأعمال" إلى نموذج" صناعة القيمة المستدامة".
وعلى الرغم من القفزات التنظيمية، لا تزال بعض المجالس تواجه فجوات تعيق ممارسة دورها بفعالية، وأبرزها:مركزية المعلومة وتوجيه القرار: سيطرة الإدارة التنفيذية على تدفق المعلومات، مما يجعل دور المجلس" اعتماديًا" يوافق على ما يُعرض عليه دون قدرة حقيقية على النقد البناء.
الاستقلالية الصورية: تظل استقلالية بعض الأعضاء" ورقية" نتيجة خضوعهم لتأثير كبار المساهمين، مما يضعف دور الحوكمة في حماية حقوق الأقلية.
الفجوة المهارية (Skill Gap): الاكتفاء بالخبرات المالية والقانونية التقليدية، مع غياب التخصصات النوعية كالأمن السيبراني، والتحول الرقمي، والاستدامة (ESG).
غياب التقييم الموضوعي: الاعتماد على التقييم الذاتي الروتيني للأعضاء، والذي يفتقر غالباً للمكاشفة حول جوانب القصور المهني.
• لمعالجة هذه المشكلات وتوسيع نطاق الحوكمة بما يتوافق مع ركائز المملكة، يستوجب تبني الحلول الهيكلية التالية: 1.
تأسيس استقلالية القرار والمعلومات: • أمانة السر الإحترافية: كإستحداث منصب" أمين سر مجلس إدارة محترف" يرتبط إدارياً برئيس المجلس لا بالرئيس التنفيذي، لضمان استلام الأعضاء للتقارير قبل الاجتماع بـ (5 أيام عمل على الأقل)، مما ينهي ظاهرة" العروض المفاجئة".
• جلسات الأعضاء المستقلين: إلزامية عقد اجتماعات دورية (ربع سنوية) تضم الأعضاء المستقلين وغير التنفيذيين فقط دون حضور الإدارة التنفيذية، لكسر حاجز المجاملة ومناقشة الأداء بشفافية.
2.
إعادة هيكلة الكفاءات والتقييم: • مصفوفة المهارات الذكية: إلزامية وجود" مصفوفة مهارات" (Skills Matrix) عند الترشيح، تضمن تنوع الأعضاء بين الخبرات التقنية والاستراتيجية والبيئية، مع تعزيز تمكين المرأة لإضافة زوايا نظر متنوعة.
• تقييم الطرف الثالث: التعاقد مع بيوت خبرة خارجية كل 3 سنوات لتقييم أداء المجلس واللجان بشكل مستقل، لضمان قياس فاعلية الأعضاء بعيداً عن الانحيازات الشخصية.
3.
الحوكمة الاستراتيجية والمخاطر: • توسيع مهام لجنة المراجعة: تحويلها إلى" لجنة المراجعة والمخاطر"، بحيث تضع" إطار المخاطر" (Risk Appetite) الذي يشمل مخاطر التحول الوطني، والتقلبات الجيوسياسية، والامتثال للتشريعات المتغيرة.
• التحول الرقمي للحوكمة: تبني منصات إلكترونية آمنة لإدارة الوثائق والاجتماعات، مما يضمن أرشفة القرارات وتتبع تنفيذها لحظياً، ومن ثم العمل على المواءمة مع رؤية 2030 (نموذج الحوكمة الرشيدة) حيث تتطلب الرؤية فلسفة جديدة تدمج المعايير العالمية في النسيج المحلي:مقارنة بين نموذج الحوكمة التقليدي ونموذج الحوكمة الرشيدة (رؤية 2030) 1.
من حيث محرك القرار: • الممارسة التقليدية (المشكلة): التركيز فقط على تحقيق الربح المحاسبي والمالي قصير الأجل.
• ممارسة الرؤية (الحل): التركيز على الاستدامة طويلة الأمد وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
2.
من حيث المعايير البيئية والاجتماعية: • الممارسة التقليدية (المشكلة): الاكتفاء بتبرعات اجتماعية موسمية ومحدودة الأثر.
• ممارسة الرؤية (الحل): تبني استراتيجية (ESG) متكاملة تشمل البيئة والمجتمع والحوكمة وتكون مقاسة الأثر.
3.
من حيث الاستثمار والشفافية: • الممارسة التقليدية (المشكلة): الانغلاق المحلي والاكتفاء بالحد الأدنى من الإفصاح النظامي.
• ممارسة الرؤية (الحل): الشفافية المطلقة ومعايير إفصاح عالمية تهدف لجذب المستثمر الدولي.
4.
من حيث طبيعة العضوية في المجلس: • الممارسة التقليدية (المشكلة): تعتمد العضوية غالباً على الوجاهة الاجتماعية أو ملكية الأسهم فقط.
• ممارسة الرؤية (الحل): تعتمد العضوية على" الجدارة" والتنوع المهني والتقني (مصفوفة المهارات).
5.
من حيث إدارة المخاطر: • الممارسة التقليدية (المشكلة): التركيز المحدود على المخاطر التشغيلية والمالية اليومية.
• ممارسة الرؤية (الحل): شمولية إدارة المخاطر لتشمل التغيرات الاستراتيجية والتحولات الوطنية الكبرى.
ختاماً: لضمان نجاح هذا التحول، يجب على الشركات تبني" برامج التوجيه" (Induction Programs) للأعضاء الجدد، وربط حوافز ومكافآت القيادات بتحقيق مستهدفات استراتيجية واضحة (مثل نسب التوطين والابتكار)، وليس فقط الأرباح المالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك