ما أثير حول الدكتور ضياء العوضي يكشف ظاهرة أوسع من شخص أو برنامج غذائي بعينه؛ إنه يعكس عطش الناس إلى بدائل علاجية أكثر إنسانية وأقل كلفة وأكثر اقترابًا من أصل الداء، كما يكشف في الوقت نفسه فجوةً بين الخطاب الطبي الرسمي وبين الجمهور.
فعندما يشعر الناس أن الطب الحديث يقدّم لهم أدوية تُخفف الأعراض ولا تزيل الأسباب، يصبح من الطبيعي أن ينصتوا لأي صوت يقول إن الشفاء يبدأ من المائدة، وإن الطعام قد يكون دواءً قبل أن يكون عادة يومية.
الحقيقة أن فكرة العلاج بالغذاء ليست غريبة لا عن العلم الحديث ولا عن التراث الإسلامي.
ففي الطب المعاصر ترسخت خلال العقود الأخيرة قناعة قوية بأن نمط الغذاء يؤثر بعمق في أمراض القلب والسكري من النوع الثاني والسمنة وارتفاع الضغط وبعض اضطرابات المناعة والالتهابات المزمنة.
وقد أظهرت دراسات واسعة أن الأنظمة الغذائية الغنية بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات، مع تقليل الأغذية فائقة التصنيع والسكريات المضافة، ترتبط بانخفاض مخاطر أمراض مزمنة متعددة.
كما ثبت أن خفض الوزن وتحسين حساسية الإنسولين وتقليل الالتهاب قد يتحقق لدى كثير من المرضى عبر تغييرات غذائية جادة، بل إن بعض حالات السكري من النوع الثاني قد تدخل في هدوء مرضي مع إنقاص الوزن المنظم وتعديل نمط الحياة.
وفي التراث الإسلامي، نجد حضورًا واضحًا لفكرة الاعتدال الغذائي وربط الصحة بالسلوك اليومي.
فالقرآن الكريم دعا إلى الأكل من الطيبات ونهى عن الإسراف، وجاء في السنة النبوية التوجيه إلى التوازن وعدم ملء البطن، مع الإشارة إلى أغذية بعينها مثل العسل والتمر والشعير والزيتون.
وما يعرف بالطب النبوي ليس منظومة بديلة عن الطب التجريبي الحديث، بل هو جملة توجيهات تتصل بالوقاية، والنظافة، والاعتدال، وبعض الوسائل العلاجية التي كانت متاحة في عصرها.
ومن الخطأ أن يُحمّل الطب النبوي ما لم يقصده أصحابه، كما من الخطأ السخرية منه أو نفي أي قيمة صحية له.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين “المبدأ الصحيح” و”التطبيق المختلف عليه”.
فالمبدأ القائل إن الغذاء يؤثر في المرض والشفاء صحيح في الجملة، بل صار من أساسيات الطب الوقائي.
أما الادعاء بأن نظامًا غذائيًا واحدًا يصلح لكل الناس، أو أنه يشفي أمراضًا مزمنة متنوعة دون تمييز، أو أنه يغني عن الأدوية والفحوص والمتابعة الطبية، فهذه دعاوى تحتاج إلى برهان سريري صارم، ودراسات مقارنة، ومراجعات علمية محكمة.
الطب لا يبنى على الشهادات الفردية وحدها، مهما كانت مؤثرة، لأن التحسن قد يحدث لأسباب متعددة: تغير الوزن، توقف عادات ضارة، أثر نفسي إيجابي، اختلاف شدة المرض، أو تزامن العلاج الدوائي.
أما بعض التفسيرات المتداولة مثل أن الألياف “تجرح الأمعاء” بإطلاق، أو أن الدجاج والبيض يسببان الالتهاب عمومًا، أو أن الدهون الحيوانية أفضل مطلقًا من الزيوت النباتية، فهذه تعميمات لا يقرها العلم بهذه الصورة المبسطة.
فالألياف الغذائية ثبتت فوائدها الواسعة لصحة الأمعاء والقلب وتنظيم السكر لدى معظم الناس، وإن كانت قد لا تناسب بعض الحالات الهضمية المحددة مؤقتًا.
والبيض والدواجن قد يكونان جزءًا من نظام صحي متوازن عند كثيرين، مع مراعاة الكمية وطريقة التحضير والحالة الصحية الفردية.
كما أن نوع الدهون وجودتها والسياق الغذائي العام أهم من تقسيمها إلى “طيبة” و”شريرة” بإطلاق.
وهنا يظهر دور المؤسسات الصحية والجامعات، لا في السخرية من الناس ولا في تخوين المختلفين، بل في تحويل الجدل الشعبي إلى فرصة معرفية.
فإذا كان آلاف المرضى يقولون إنهم استفادوا من نمط غذائي معين، فالرد الأمثل ليس الاستهزاء، بل تصميم دراسات علمية تقيس النتائج: ماذا حدث للوزن؟ للسكر التراكمي؟ لوظائف الكبد والكلى؟ لمؤشرات الالتهاب؟ ما الآثار الجانبية؟ ومن هم المرضى الذين استفادوا فعلًا ومن لم يستفيدوا؟ هكذا يتحول الجدل إلى معرفة نافعة.
كما أن الخطاب الطبي الرسمي يحتاج إلى قدر من التواضع والتواصل.
فالجمهور لا يريد لغة تقنية معقدة، بل يريد إجابات بسيطة وصادقة: ماذا آكل؟ ماذا أتجنب؟ هل يمكن تقليل الدواء إذا التزمت؟ متى يكون الغذاء كافيًا، ومتى يصبح الدواء ضروريًا؟ عندما تغيب هذه اللغة، تملأ الفراغ منصات التواصل.
الرؤية المتوازنة هي أن العلاج بالغذاء ركن أساسي من الطب، لكنه ليس الطب كله.
والدواء مهم، لكنه ليس الحل الوحيد.
والتراث الإسلامي قدّم مبادئ وقائية عظيمة، لكنه ليس بديلًا عن التجربة العلمية الحديثة.
والمطلوب اليوم هو جسرٌ بين الحكمة القديمة والبحث الحديث: نستفيد من قيم الاعتدال، والطيبات، وعدم الإسراف، ونخضع كل دعوى للفحص العلمي الرصين.
إن أفضل ما يمكن أن يخرج من هذا الجدل ليس الانتصار لشخص أو الهجوم عليه، بل إعادة الاعتبار لفكرة أن الصحة مشروع حياة: طعام متوازن، حركة منتظمة، نوم جيد، إدارة للتوتر، متابعة طبية، وعلم منفتح لا يخاف من سؤال جديد ولا يقدّس جوابًا قديمًا.
عندها فقط يصبح النقاش نافعًا، ويقترب الناس من الحقيقة بدل أن ينقسموا حولها.
لقد رحل دكتور ضياء العوضي لكن ما أثاره أحدث صدى واسعًا لا يصح التعامل معه باستخفاف ولا بالتهويل؛ ولا بافتعال معارك وهمية ذهبت بالبعض للقول إن ثمة مافيا دواء الا تريد للمرضى أن يخرجوا من الدائرة الجهنمية للأدوية التقليدية بحسبانها تجارة أكثر ربحية محظور الاقتراب منها.
وهنا نقول إن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها، وقد عرف" الطب" بوصفه" الحكمة" واشتهر الطبيب بلقب" الحكيم".
فأين الحكمة في تلك القضايا المثارة حول" الطيبات".
؟ !كنا ننتظر أن تخرج وزارة الصحة بأطروحات علمية تحسم الجدل وتضع الأمور في نصابها فلا تترك الناس نهبًا للسوشيال ميديا ولا عشوائية المعلومات التي تضر أكثر مما تفيد.
هكذا ينبغي أن تكون صحة الناس قدس الأقداس.
ويبقي دور الإعلام في التوعية ومعرفة الحقيقة بموضوعية وتجرد لتحقيق الإقناع والتأثير المنشود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك