يمثل" المحتوى المحلي" أحد المحركات الأساسية لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، حيث يشكل ركيزة استراتيجية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي وتنمية القدرات الوطنية.
ويقوم هذا التوجه على تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، سواء عبر" توطين الصناعات، أو تطوير سلاسل الإمداد، أو تمكين الكفاءات الوطنية" للمشاركة الفاعلة في مختلف القطاعات الحيوية.
وقد أسهمت برامج المحتوى المحلي في رفع نسبة المشاركة المحلية في المشاريع الكبرى، ما انعكس إيجابا على نمو الاقتصاد غير النفطي، وخلق فرص وظيفية نوعية للمواطنين، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة لتكون جزءا من المنظومة الإنتاجية.
كما عززت هذه الجهود من تنافسية المنتجات والخدمات الوطنية، ورفعت من قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وفي ظل تسارع المشاريع التنموية والاستثمارات الضخمة، يبرز المحتوى المحلي كأداة فعالة لتحقيق قيمة مضافة مستدامة، من خلال إعادة تدوير الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني، وتحفيز الابتكار ونقل المعرفة.
ويعكس هذا الدور الحيوي التزام المملكة ببناء اقتصاد متنوع وقائم على المعرفة، يوازن بين الانفتاح على العالم وتعزيز القدرات الذاتية، بما يسهم في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
يعود خط الأساس لمؤشر المحتوى المحلي إلى عام 2019، ومنذ ذلك الحين واصل المؤشر تسجيل ارتفاعات ملحوظة حتى عام 2024 وفق أحدث قراءة متاحة، في دلالة واضحة على التقدم المتحقق في هذا المسار الحيوي.
فقد ارتفع معدل الالتزام بنسبة المحتوى المحلي لدى الشركات المملوكة للدولة من 53 % إلى 74 %، فيما بلغت النسبة لدى الجهات الحكومية 88 %، وهو ما يعكس تنامياً ملحوظاً في ترسيخ مفهوم المحتوى المحلي وتعزيز حضوره في مختلف القطاعات.
كما حقق المؤشر نحو 91 % من مستهدفه المرحلي، ما يشير إلى اقترابه من تحقيق أهدافه المرسومة ضمن الإطار الزمني المحدد.
وتشير التوقعات إلى استمرار تحسن المؤشر خلال السنوات المقبلة، مدفوعا بتقدم تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية، وعلى رأسها" الاستراتيجية الصناعية، واستراتيجية الاستثمار، إلى جانب مبادرات التوطين المتواصلة".
وفي سياق متصل، شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي نموا متواصلا منذ عام 2016 وحتى عام 2025، ليصل إلى 3,353 مليارات ريال بنهاية عام 2025، مواصلا بذلك مسار النمو المتسارع الذي بدأ مع إطلاق رؤية السعودية 2030.
وباتت الأنشطة غير النفطية تمثّل أكثر من نصف الاقتصاد السعودي، في انعكاس مباشر لنجاح سياسات التنويع الاقتصادي، التي ركزت على تطوير القطاعات الواعدة واستثمار إمكاناتها وفتح آفاق جديدة للنمو ضمن منظومة متكاملة يقودها صندوق الاستثمارات العامة، وبمشاركة متزايدة من القطاع الخاص الذي أصبح شريكا رئيسيا في تنفيذ المشاريع وخلق الفرص الاستثمارية النوعية.
وقد برزت قطاعات جديدة مثل" الرياضة، والثقافة، والسياحة، والترفيه، والتقنية"، كعوامل مؤثرة في دعم النمو الاقتصادي، حيث أصبحت أكثر قدرة على توليد قيمة مضافة مستدامة، وتوفير فرص العمل، وتحسين جودة الحياة.
وجاء ذلك مدعوما بتنفيذ مشاريع كبرى مثل" المسار الرياضي، وبوابة الدرعية، ووجهة البحر الأحمر"، إلى جانب استضافة المملكة للفعاليات الدولية، التي أسهمت في تنشيط الحركة الاقتصادية وتعزيز الحضور العالمي للمملكة.
كما لعبت الصادرات غير النفطية دورا محوريا في دعم هذا النمو، محققة مستويات قياسية بفضل تنشيط عمليات إعادة التصدير، والاستفادة من الممكّنات اللوجستية والصناعية، بما في ذلك إطلاق" المناطق الاقتصادية الخاصة، وإنشاء مراكز لوجستية متطورة، وتطوير المدن الصناعية، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية للموانئ وشبكات النقل المتكاملة التي تشمل الطرق البرية، والسكك الحديدية، والنقل الجوي والبحري"، وهو ما عزز مكانة المملكة كمركز لوجستي إقليمي وعالمي جاذب للاستثمارات.
وعلى صعيد قطاع النفط والغاز، سجلت نسبة المحتوى المحلي نموا ملحوظا، حيث بلغت 67.
4 %، محققة 99.
1 % من المستهدف المحدد عند 68 % لعام 2024، في مؤشر يعكس التزام المملكة بتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية، بما يسهم في تعظيم الأثر الاقتصادي المحلي.
ويعزى هذا الأداء إلى استمرار جهود التوطين في مكونات وخدمات القطاع، وتوسيع القدرات الإنتاجية وسلاسل الإمداد، إلى جانب تمكين المصانع الوطنية وتوطين الكوادر البشرية، فضلا عن دعم الصادرات وتحسين الميزان التجاري وخلق فرص استثمارية جديدة.
ولتعزيز استدامة هذا النمو، تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات متعددة، بما يدعم توسيع نطاق المحتوى المحلي وترسيخ دوره في الاقتصاد الوطني.
كما كان للمبادرات الوطنية دور بارز في دفع هذا التقدم، حيث أثبتت فعاليتها في دعم المؤشر، ومن أبرزها" البرنامج الشامل لتوطين سلاسل الإمداد، ومبادرة استكمال مشروع تخزين الغاز".
كما تبنت وزارة الطاقة، إلى جانب أرامكو السعودية وشركات القطاع، عددا من المبادرات التي أسهمت في تعزيز نمو المحتوى المحلي في قطاع النفط والغاز.
وتشير البيانات التاريخية للفترة من 2016 إلى 2024 إلى أن المؤشر يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفاته بحلول عام 2030، في ظل استمرار الجهود الوطنية الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك