في هذا الواقع، ظهرت فكرة غير متوقعة من أحد الصيادين.
توجّه إلى حاجز الميناء بحثاً عن رزقه، فوجد بدلاً من السمك صخوراً وكتلاً من الإسمنت المتحجّر، تراكمت على مدى سنوات، إمّا من حمولات سفن كانت تفرّغ هناك، أو من أعمال تدعيم أرصفة الميناء.
لم يتردد كثيراً.
كسر هذه الصخور، ثم طحنها وخلطها بالرمال والمياه، في محاولة للحصول على مادة أقوى من الطين الذي يستخدمه كثيرون لسدّ فتحات الخيام.
وعندما نجحت التجربة، بدأ آخرون بتجربتها أيضاً.
يقول أبو ياسين، وهو صياد نازح فقد منزله في الحرب: " جرّبت الطين مثل باقي الناس في الخيام، لكنه لم ينفع.
بعدها استخدمت الإسمنت الحجري، وكان أفضل بنسبة تصل إلى 70 في المئة.
"اليوم، يشتري كثيرون في القطاع هذه الكتل الإسمنتية، ويكسرونها ويطحنونها من جديد لاستخدامها بطرق بسيطة.
ورغم أنها لا تكون إسمنتاً فعّالاً كما كانت في الأصل، إلا أنها تصلح للاستخدام في تقوية الأرضيات وتثبيت الخيام، والحدّ من خطر القوارض والزواحف.
غير أن استخراج هذه الكتل من قاع الميناء ليس بالأمر السهل.
يقول أحد العمّال إنه يغطس لعدة أمتار تحت الماء، حاملاً أدوات تكسير، ليقتطع أجزاء من الإسمنت المتحجّر ويعيدها إلى السطح.
وبسبب ثقل هذه الكتل وصعوبة السيطرة عليها، يعمد الغطاسون إلى تحميلها على أبواب ثلاجات مهجورة، ثم دفعها نحو الشاطئ.
وأحياناً، عند الشعور بالخطر، يتركونها تغرق على أمل أن تجرفها المياه لاحقاً إلى الشاطئ.
ويقول أبو الجود، وهو من سكان شمالي القطاع، إنه وجد في هذا العمل مصدراً للرزق: " بدأت باستخدامه في خيمتي لإغلاقها بإحكام ومنع دخول القوارض، ثم قررت العمل في هذا المجال واستخراج كتل وبيعها للآخرين.
"ويضيف أن هذه الممارسة باتت واسعة الانتشار، إذ يقصد العشرات، بينهم نساء، هذه الكتل التي يطلقون عليها مجازاً اسم" الإسمنت".
ويبلغ سعر الكيلوغرام من هذا الإسمنت الحجري نحو 3 شيكل، فيما لا يتجاوز دخل العامل 35 شيكلاً يومياً مقابل الغطس والتكسير والنقل.
ويقول أحد العمال: " قلة فرص العمل في غزة دفعتنا إلى هذا العمل.
ورغم خطورته وما يتطلبه من جهد، فإنه يبقى الوسيلة الوحيدة لإعالة أسرتي.
"ما يفعله أبو ياسين وأبو الجود والعشرات غيرهما هو استجابة مباشرة لأزمة يصعب إيجاد حلول سريعة لها.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب خلّفت نحو 57.
5 مليون طن من الركام، فيما قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة حجم الأنقاض بأكثر من 61 مليون طن متري، أي ما يعادل 169 كيلوغراماً لكل متر مربع من مساحة القطاع.
وتُقدّر تقييمات مشتركة صادرة عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بنحو 71 مليار دولار.
وبعد ستة أشهر على وقف إطلاق النار، لا تزال القيود على إدخال مواد البناء إلى غزة قائمة، في وقت تتسع فيه رقعة الدمار، وتزداد أعداد المنازل غير الصالحة للسكن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك