يختلف كثير من الكتب الأدبية والتاريخية لطه حسين عن أمثالها التى يُؤلفها آخرون، فى اتسامها بطابع حوارى ظاهر، إذ كان الرجل يقيم هذه الطريقة إما لإيمانه بنسبية العلوم الإنسانية، أو اقتناعه بضرورة تعدد وجهات النظر فى قضاياها ومسائلها، لأن هذا يتسق مع طبيعة الحياة نفسها، التى تنبع منها هذه العلوم ثم تعود عليها بالنفع، أو لأنه كان دوماً يستحضر القارئ المتخيل، سواء كان هذا القارئ مستفيداً مُقراً بما يطالعه، أو شاكاً فيه، وناقداً له، أو حتى ناقماً عليه، يهاجمه خارجاً عليه من بين الخصوم، الذين طالما اعترضوا طريق عميد الأدب العربى، اختلافاً وخلافاً وحسداً ومقتاً.
فحين نطالع كتب طه نجده يوجّه، صراحة أو ضمناً، عبر أسلوب مسترسل ما يقوله إلى مخاطب حقيقى أو افتراضى، يشرح له، ويسعى إلى إقناعه، حيث يحضر القارئ أو المستمع دائماً أمامه، فهما موجودان ومجسّمان بمختلف أفكاره وعواطفه ونزعاته، لا يغيبا عنه أبداً، ليبدو فى هذا متبعاً سبيل الكتاب المعلمين، أو بالأحرى المعلم الأول أرسطو.
وهو هنا لا يثبت رأيه لنفسه، إلا مع عرض آراء السابقين عليه، ممن تناولوا الموضوع ذاته، فيذكر اعتراضاتهم الحقيقية أو الممكنة، ويرد عليها فى أناة، وشمول، ولا يستنكف أن يراجع نفسه، إن تخيل رداً عليه ذا حجة، أو كان يعرف أنه قائم فى الواقع المعيش، أو تم التطرّق إليه وتداوله فى تاريخ الأفكار، وله أصحاب معروفون، وأحياناً كان يصمت ويضرب عما يسمعه ضرباً من التجاهل.
لقد كان «كاتباً مهووساً بالقارئ عندما يشرع فى الكتابة، يضعه دائماً نصب عينيه، إن جاز القول، فيعقد معه حواراً ودياً لانهائياً»، حسب قول عبدالفتاح كيليطو، وكان هذا يدفعه إلى أن يُقلّب أى أمر على وجوه عدة، فيعرض آراء مختلف أصحاب الاتجاهات الفكرية ورواياتهم، من الذين وصل إليه ما قالوه أو كتبوه، متأرجحاً بين هذا وذلك، وهذه وتلك، وهؤلاء وأولئك، وهنا وهناك، ثم يشرح وجهة نظره هو، ويرد عليها فى الوقت نفسه، مما يتخيله من ردود الآخرين، إن عُرض عليهم ما أملاه وقرأوه، أو استمعوا إليه فى محاضرة بالجامعة أو حلقة إذاعية أو ندوة عامة كان هو بطلها.
وهكذا بقى الرجل فى حالة حوار، قد يبدو للمتعجل أنه يجريها مع نفسه، لكنه فى الحقيقة كان يفعل هذا مع آخرين يستحضرهم فى ذهنه، وهم إما رحلوا وتركوا ما سجّلوه ودونوه أو نُسب إليهم بتدوين وتسجيل من جاء بعدهم، وإما هم أحياء فى زمن طه حسين، يعرف أنهم سيقرأون مقالاته وكتبه، سواء كانوا من النخبة الثقافية مثله، أو كانوا من عموم القراء.
وإلى جانب نصه الحوارى، فقد حاور طه حسين الكثيرين من أعلام عصره من الأدباء والمفكرين، حيث كان يُؤمن بأهمية الحوار النقدى الهادف، الذى تتوافر فيه أسباب العلم والأدب، ولا يجنح إلى أسلوب التجريح الشخصى والملاحاة، وكان يريد لهذا الحوار أن يتم فى جو من الهدوء، والاحترام المتبادل ونبل المقصد العلمى، وحُسن الاستعداد للاقتناع والقبول، مثلما يقول توفيق أبوالرب، لكنه كان يطلق على النقد الذى ينطوى على تجريح وتقبيح شخصى اسم «خصومة»، بل كان يبين أنه لا يفرق بين دارس يتعصّب له هو شخصياً، وآخر يتعصب عليه، وإن وجدناه أحياناً يستملح هذا النوع من الخصام، ويراه يؤدى إلى ثراء الحياة الأدبية والفكرية.
ولم تقفز «الحوارية» عند طه حسين إلى ما فكر فيه وأملاه، بل انطلقت ابتداءً مما سمعه من أولئك الذين كانوا يقرأون له، فالقراءة عنده مشاركة إن بالسؤال، أو من خلال الجواب، وهى عملية تأسيس لرؤى وأفكار، فهو كان يستوقف من يقرأون له أحياناً، ليتأمل المعنى، أو يتجاذب حوله أطراف الحديث مع بعضهم، وربما يناقش أيضاً، مثلما كان يفعل مع زوجته حين تقرأ له باللغة الفرنسية، أو بعض من عملوا معه بالسكرتارية وكتبوا خلفه، ومنهما اثنان حصلا على الدكتوراه فى ما بعد وهما: توفيق شحاتة، ومحمد الدسوقى، الذى لم يكن لديه أى مانع أن يقول لكل منهما، فى امتنان وتواضع، بعد أن نال الدرجة العلمية: صرت دكتوراً مثلى.
وأعتقد أن طه حسين قد تعلم ملكة الحوار وطريق التعدّد من ثلاثة روافد أساسية هى: الفقه الإسلامى، والفلسفة والمسرح اليونانى، ثم المسرح الفرنسى.
فالأول يعتمد على تعدّد الآراء، والثانية كان الحوار والجدل يُشكل جانباً رئيسياً منها، أما الثالث فهو حوارى بطبعه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك