بين ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، يجد الأفراد أنفسهم أمام ضغوط معيشية معقدة، حيث تتصاعد كلفة الغذاء والوقود والكهرباء، في وقت تتباطأ فيه زيادة الأجور وترتفع كلفة القروض والتمويل.
وكانت أحدث هذه التحذيرات العالمية صادرة عن جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لجي بي مورغان تشيس، الذي اعتبر أن أسوأ سيناريو قد يواجه الاقتصاد العالمي يتمثل في الدخول في مرحلة" الركود التضخمي"، مؤكداً أن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده في ظل تصاعد الضغوط الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
وأوضح ديمون أن استمرار الحرب في إيران يشكّل عاملاً إضافياً يغذي هذه المخاوف، إذ يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع ويزيد من تكاليف النقل والتصنيع، ما ينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتباطؤ النمو في آن واحد.
وبحسب" رويترز" تتزامن هذه التحذيرات مع مؤشرات متزايدة على هشاشة الاقتصاد الأوروبي، حيث أظهرت بيانات" يوروستات" أن اقتصاد منطقة اليورو سجّل نمواً ضعيفاً بلغ 0.
1% فقط خلال الربع الأول من عام 2026، في وقت ارتفع فيه التضخم إلى نحو 3% خلال أبريل(نيسان)، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة.
تبدو أوروبا الأكثر هشاشة أمام هذا السيناريو بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، وتشير بيانات اقتصادية إلى تباطؤ النشاط التجاري وتشديد معايير الإقراض المصرفي، أي زيادة صعوبة حصول الشركات والأفراد على التمويل والقروض، إضافة إلى ارتفاع توقعات التضخم.
ورفع معهد" آي إم كي" IMK الألماني نسبة احتمال دخول الاقتصاد الألماني في ركود خلال الربع الثاني إلى 34%، كما حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار اضطرابات هرمز لشهر إضافي قد يدفع منطقة اليورو إلى" ركود تقني"، وهو مصطلح يشير عادة إلى تسجيل الاقتصاد انكماشاً لربعين متتاليين.
ويجد" البنك المركزي الأوروبي" نفسه أمام معادلة دقيقة، إذ يحاول الموازنة بين كبح ارتفاع الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه، ففي حال قرر رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، تصبح القروض أكثر كلفة، ما يقلّص الإنفاق والاستثمار ويزيد من تباطؤ الاقتصاد، أما إذا اختار التريث لتجنب الضغط على النمو، فقد يؤدي ذلك إلى استمرار ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للأفراد.
وبذلك، يتحرك البنك بين خيارين صعبين، حيث إن أي قرار لمعالجة أحد الجانبين قد يأتي على حساب الآخر، في ظل غياب حل اقتصادي مثالي يجمع بين استقرار الأسعار واستمرار النمو.
من جانبه، قلّل المحلل الاقتصادي سلامة الدرعاوي من احتمالات دخول الاقتصاد في مرحلة ركود تضخمي في الوقت الراهن، معتبراً أن المعطيات الحالية لا تدعم هذا السيناريو.
وأوضح الدرعاوي لـ24 أن الركود التضخمي يتطلب اجتماع عنصرين رئيسيين: تباطؤ حاد أو انكماش اقتصادي، وارتفاع مستمر في التضخم، وهو ما لا ينطبق على المؤشرات الحالية التي تُظهر نمواً إيجابياً مستقراً، يقابله تضخم ضمن مستويات معتدلة.
" منطقة الخطر".
الدين الأمريكي يتجاوز حجم الاقتصاد - موقع 24دخلت الولايات المتحدة مرحلة مالية حساسة بعد أن تجاوز دينها العام حجم اقتصادها، في تطور يعكس تصاعد الضغوط على المالية العامة ويثير تساؤلات حول استدامة المسار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
وأشار الدرعاوي إلى أن استقرار سعر الصرف وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى 28.
6 مليار دولار يعززان من متانة الوضع النقدي، ويحدان من الضغوط التضخمية، في حين يعكس تراجع العجز المالي وتحسن مؤشرات الدين بيئة اقتصادية تحت السيطرة، واصفاً المرحلة الحالية بأنها" تباطؤ منظم مع استقرار سعري"، وليس ركوداً تضخمياً.
وفيما يتعلق بالعوامل المؤثرة، لفت الدرعاوي إلى أن أسعار الطاقة والاضطرابات الإقليمية تمثل ضغوطاً محتملة، إلا أن إدارتها عبر سياسات استباقية تحدّ من تحولها إلى أزمة مركبة، مؤكداً أن السياسة النقدية تلعب دوراً داعماً للاستقرار من خلال إدارة السيولة وتحفيز القطاعات.
وبحسب الدرعاوي يواجه المستهلك تحديات متزايدة ترتبط ببيئة اقتصادية غير متوازنة في بعض جوانبها، رغم استمرار الاستقرار الكلي النسبي، ومن أبرزها احتمالية تراجع القدرة الشرائية نتيجة الضغوط غير المباشرة، مثل ارتفاع كلف الإنتاج التي تنعكس بدورها على الأسعار، وفي المقابل، تبقى القطاعات الصناعية، لا سيما المرتبطة بكلف إنتاج مرتفعة، الأكثر عرضة للضغوط في حال تفاقم الأوضاع.
كما أن اختلال المنافسة في الأسواق، خاصة مع دخول منتجات غير خاضعة لنفس معايير الجودة، قد يؤدي إلى تباين في الأسعار والجودة، ما يضع المستهلك أمام خيارات غير مستقرة.
ويرى سلامة الدرعاوي أن سلوك المستهلك في الشرق الأوسط ظلّ مستقراً نسبياً رغم الضغوط الاقتصادية المحيطة، دون توجه نحو الذعر أو التحول إلى العملات الأجنبية، ما يعكس استمرار الثقة بالاقتصاد والسياسات النقدية، ويُخفف من حدة التحديات مقارنة بدول أخرى.
ويؤكد خبراء أن الأزمات الاقتصادية، رغم صعوبتها، قد تخلق فرصاً استثمارية مهمة لمن يمتلكون السيولة والخطط طويلة الأجل، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من القرارات العاطفية أو الاستثمار غير المدروس خلال فترات التقلب الحاد.
وبين تحذيرات كبار المصرفيين من سيناريوهات أسوأ، وتقديرات بعض المحللين التي تستبعد تحقّقها حالياً، يبقى مسار الاقتصاد العالمي مرهوناً بتطورات أسعار الطاقة واستقرار الإمدادات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك