وذكر استشاري العلاقات الأسرية والعاطفية أن اضطراب الوسواس القهري يعد أحد الاضطرابات النفسية الشائعة التي تؤثر بعمق في حياة الفرد اليومية، ولا يقتصر تأثيره على الجانب الشخصي فحسب، بل يمتد ليطال علاقاته العاطفية بشكل واضح ومعقّد.
أضاف: " يقوم هذا الاضطراب على وجود أفكار ملحّة ومتكررة" وساوس" تثير القلق، وتدفع صاحبها إلى القيام بسلوكيات قهرية بهدف التخفيف من حدّة هذا التوتر، إلا أن هذه السلوكيات لا تقدم حلًا حقيقيًا، بل تُعزز استمرار الاضطراب على المدى الطويل".
وفي سياق العلاقات العاطفية، كشف الدكتور أحمد أمين أن تأثير الوسواس القهري يظهر في عدة أشكال قد تُربك الطرفين معًا؛ فقد يعاني الشخص المصاب من شكوك مستمرة حول مشاعره تجاه شريكه، أو حول مدى حب الطرف الآخر له، وهو ما يُعرف أحيانًا بـ”وسواس العلاقات.
وقد تمتد هذه الشكوك إلى مقارنة العلاقة بعلاقات أخرى، أو البحث الدائم عن" الإحساس المثالي" الذي يعتقد أنه يجب أن يشعر به، مما يجعله غير قادر على الاستقرار أو الاستمتاع بالعلاقة كما هي.
وتابع: " يؤدي هذا النمط من التفكير إلى سلوكيات تُثقل كاهل العلاقة، مثل طلب التطمين بشكل متكرر، وإعادة طرح نفس الأسئلة بصيغ مختلفة، أو تحليل كل تصرف أو كلمة تصدر من الشريك بحثًا عن دليل يؤكد أو ينفي هذه الوساوس.
وفي بعض الحالات، قد يلجأ الشخص إلى اختبار مشاعره بطرق مرهقة، كأن يبتعد مؤقتًا ليرى إن كان سيشتاق، أو يفتعل مواقف ليقيس رد فعل الطرف الآخر.
هذه السلوكيات، رغم أنها تبدو محاولة للفهم، إلا أنها تخلق توترًا مستمرًا داخل العلاقة".
واستطرد استشاري العلاقات الأسرية والعاطفية: " من جهة أخرى، يعاني الشخص المصاب داخليًا من صراع مؤلم؛ فهو غالبًا يدرك أن أفكاره مبالغ فيها أو غير منطقية، لكنه يجد صعوبة في التحكم بها.
هذا التناقض يولد شعورًا بالذنب والخجل، وقد يدفعه إلى الانسحاب العاطفي أو إخفاء معاناته، خوفًا من أن يُساء فهمه أو يُتهم بعدم الحب.
ومع مرور الوقت، قد تتآكل ثقته بنفسه وبقدرته على الحفاظ على علاقة مستقرة".
وتابع: " كما قد يظهر الوسواس القهري في صور أخرى داخل العلاقات، مثل الخوف المفرط من الخيانة دون وجود أدلة حقيقية، أو القلق الزائد بشأن اتخاذ قرارات مصيرية كـالزواج أو الارتباط الرسمي.
وقد يصل الأمر أحيانًا إلى التفكير القهري في إنهاء العلاقة رغم وجود مشاعر حقيقية، فقط بحثًا عن راحة مؤقتة من القلق، وهو ما يُعرف بدافع الهروب من التوتر، وليس الاختيار الواعي".
وأردف: " ولا يتوقف التأثير عند الشخص المصاب فقط، بل يمتد إلى الطرف الآخر، الذي قد يشعر بالحيرة أو العجز أمام هذه التقلبات.
فقد يفسر طلب التطمين المستمر على أنه عدم ثقة، أو يرى التحليل الزائد على أنه نقد دائم، مما قد يخلق فجوة عاطفية إذا لم يتم فهم طبيعة الاضطراب بشكل صحيح.
لذلك، تلعب المعرفة والوعي دورًا محوريًا في حماية العلاقة من سوء الفهم".
ومن الناحية النفسية، كشف الدكتور أحمد أمين أن استمرار الوسواس القهري يعتمد على دائرة معروفة: فكرة وسواسية تثير القلق، يليها سلوك قهري لتخفيف هذا القلق، ثم شعور مؤقت بالراحة، يعقبه عودة الفكرة بشكل أقوى.
في العلاقات، قد تتمثل هذه الدائرة في الشك ثم طلب التطمين، ثم الراحة المؤقتة، ثم عودة الشك مرة أخرى، وهو ما يجعل العلاقة ساحة متكررة لإعادة إنتاج نفس النمط.
وتابع: " أما على مستوى العلاج، فيُعد العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب فعالية في التعامل مع الوسواس القهري، خاصة من خلال تقنيات مثل التعرض ومنع الاستجابة، التي تساعد الشخص على مواجهة أفكاره دون الانخراط في السلوكيات القهرية.
كما يمكن أن يكون العلاج الدوائي، تحت إشراف مختص، عاملًا مساعدًا في تقليل حدة الأعراض".
وعلى مستوى العلاقة، أكد استشاري العلاقات الأُسَرِية والعاطفية أن الطرفين يحتاجان إلى بناء نمط صحي من التعامل، يقوم على الوضوح دون الانغماس في التطمين الزائد، والدعم دون تعزيز الوسواس.
فالشريك الداعم ليس من يجيب على كل الأسئلة، بل من يساعد على كسر دائرة القلق بشكل تدريجي، مع الحفاظ على التعاطف والتفهم.
واختتم الدكتور أحمد أمين: " لا يُعد الوسواس القهري نهاية للعلاقات العاطفية، بل هو اختبار لقدرة الطرفين على الفهم والنضج والتعامل مع التعقيد النفسي.
فالعلاقة الناجحة ليست خالية من الاضطرابات، بل قادرة على احتوائها دون أن تفقد توازنها.
ومع الوعي والعلاج والدعم، يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة لبناء علاقة أكثر عمقًا وصدقًا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك