حين يُشرق عيد العمال العالمي، لا يحلّ بوصفه مناسبة عابرة في روزنامة الأيام، بل كصفحة ناصعة في سجل الإنسانية، خُطّت بعرق الكادحين وصبرهم ونضالهم الطويل في سبيل الكرامة والعدالة وحق الإنسان في العمل اللائق.
إنه يوم تتجدد فيه الذاكرة الجماعية للعالم، مستحضرة مسيرة الحركة العمالية التي انبثقت من رحم المعاناة، وشقّت طريقها عبر عقود من التضحيات حتى غدت ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدول الحديثة.
وفي مملكة البحرين، لم تكن الحركة العمالية على هامش هذا المسار التاريخي، بل كانت في طليعته؛ إذ تُعد البحرين أول دولة خليجية شهدت انطلاق العمل النقابي منذ خمسينيات القرن الماضي، في تجربة مبكرة سبقت محيطها الإقليمي ورسّخت وعيًا متقدمًا بدور العامل كشريك في البناء الوطني.
وتعزّز هذا المسار النوعي مع المشروع الإصلاحي للملك المعظم حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، الذي أرسى، بإصدار قانون النقابات، إطارا تشريعيًا متقدمًا منح العمل النقابي في البحرين قيمة استثنائية لا نظير لها في المنطقة، وصان هذا العمل بكل اقتدار وعزيمة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله.
فقد كفل القانون حرية تأسيس النقابات دون قيود تعسفية، وأقرّ الاعتراف القانوني الكامل بها، وفتح المجال لتأسيس الاتحادات العمالية، إلى جانب توفير حماية نسبية للنقابيين، بما يعزز استقلالية العمل النقابي ويصون دوره في الدفاع عن حقوق العمال وتمثيلهم.
هذه المنظومة القانونية المتقدمة لم تكن مجرد نصوص، بل تحوّلت إلى واقع فعلي يعكس إيمان الدولة بأن العامل ليس مجرد عنصر إنتاج، بل شريك أصيل في التنمية وصوت وطني مسؤول في مختلف الظروف.
وفي خضمّ التحديات الراهنة التي تعصف بالمنطقة ونتيجة للضربات الإيرانية الآثمة على وطننا الغالي، وما خلّفته التوترات الإقليمية من تداعيات اقتصادية مازالت مستمرة، برزت توجيهات حكومية نوعية تجسّد هذا النهج الإنساني، حيث تم التكفل بصرف رواتب العمال والموظفين البحرينيين من خلال صندوق التعطل بقيمة 100 مليون دينار عن شهر أبريل، في خطوة تعكس حرص الدولة على صون الاستقرار المعيشي، ودعم قطاعي سوق العمل والأعمال في مواجهة تداعيات الحرب في المنطقة، وما صاحبها من اضطرابات، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز وتأثيراته على حركة الاقتصاد.
لقد كتب عمال البحرين، عبر تاريخهم، فصولًا مشرّفة من العطاء، غير أن ما شهدناه مؤخرًا يُعدّ محطة استثنائية تستحق التقدير.
ففي واحدة من أصعب الفترات، واجه العمال تحديات غير مسبوقة على امتداد أربعين يومًا عصيبة، في ظل ظروف خطرة طالت مواقع العمل من مصانع ومنشآت حيوية، تعرّضت لتهديدات وضربات إيرانية بغيضة مباشرة.
ومع ذلك، لم يتراجعوا، ولم تغب عنهم روح المسؤولية، بل ثبتوا في مواقعهم، يواصلون العمل، ويحافظون على استمرارية الإنتاج، ويذودون عن مقدرات الوطن بصمت الأوفياء، وتضحيات الكبار.
لقد جسّد هؤلاء العمال أسمى معاني الانتماء والولاء، وقدموا نموذجًا حيًا للعامل الذي يدرك أن واجبه يتجاوز حدود الوظيفة ليغدو خط دفاع في أوقات الشدّة.
وفي السياق ذاته، لا يسعنا إلا أن نقف إجلالًا وإكبارًا لجنودنا البواسل، ورجال الأمن، ومنتسبي الدفاع المدني، الذين وإن لم يُصنَّفوا ضمن الفئات العمالية، إلا أنهم كانوا عمّالًا للوطن بمعناه الأسمى، يسهرون على حفظ الأمن وصون الأرواح، غير آبهين بالمخاطر، واضعين سلامة الجميع فوق كل اعتبار.
لاشك أنها بحق رسالة للأجيال القادمة بأن قيمة العمل لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بثبات المواقف في لحظات الاختبار.
ويأتي الاحتفاء بعيد العمال ليجسّد هذا التقدير في أبهى صوره، ويؤكد حرص القيادة الرشيدة على تمكين العامل البحريني وتعزيز مكانته كشريك أساسي في مسيرة التنمية المستدامة.
وفي هذه المناسبة، تتشرف صحيفة «البلاد» أن ترفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام الملك المعظم حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، وإلى ولي العهد رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، حفظه الله، وإلى عمال البحرين والعالم أجمع، سائلين المولى عز وجل أن يحفظ وطننا وقيادته الرشيدة، وأن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق عمالنا لمواصلة مسيرتهم المشرّفة في خدمة هذا الوطن الغالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك