في العلوم السياسية، هناك فرق جوهري بين" البرلمان كسلطة" و" البرلمان كوظيفة".
الأول نص دستوري جامد، والثاني كائن حي يتنفس هواء اللحظة التاريخية التي يعمل فيها.
ومجلس النواب المصري الجديد دخل الخدمة في واحدة من أعقد اللحظات التي مرت بها الدولة المصرية في تاريخها الحديث: اقتصاد عالمي يرزح تحت وطأة التضخم والديون، وإقليم يشتعل من غزة إلى السودان إلى البحر الأحمر والخليج، ونظام دولي يفقد توازنه القديم دون أن يولد توازنه الجديد بعد.
في هذه" العاصفة مكتملة الأركان"، يصبح السؤال المصيري: هل يظل البرلمان حبيس الدور التقليدي" تشريع + رقابة"؟ أم يرتقي إلى الدور الذي تفرضه اللحظة: *هندسة التماسك الوطني*؟*أولاً: إعادة تعريف الوظيفة البرلمانية في زمن الأزمات المركبة*التجارب المقارنة تقول إن البرلمانات التي نجت بمجتمعاتها من الأزمات الكبرى هي التي فهمت 4 وظائف تتجاوز النص:*1.
البرلمان كـ" غرفة امتصاص الصدمة" *حين يشتد الضغط الاقتصادي، يبحث المواطن عن مكان يُفرغ فيه قلقه قبل أن يتحول إلى غضب.
إذا وجد نائباً يسمع، ويسأل الوزير علناً، ويطالب بخطة، فإن 50% من الاحتقان يتبدد.
البوندستاج الألماني في شتاء 2022، وقت قطع الغاز الروسي، فتح جلسات استماع أسبوعية للمواطنين.
لم يمنع الأزمة، لكنه منع الانفجار.
هذه هي" وظيفة التماسك".
*2.
البرلمان كـ" مترجم الضرورة" *أسوأ ما تفعله السلطة في الأزمة أن تُمرر قرارات موجعة بلغة فنية جافة.
هنا يظهر دور النائب: أن ينزل من برج القانون إلى لغة الناس.
لماذا رفعنا السعر؟ ما البدائل التي استبعدناها ولماذا؟ ما شبكة الحماية الموازية؟حكومة نيوزيلندا 1991 حين أقرت أقسى موازنة تقشف، كلفت 120 نائباً بشرحها في دوائرهم وجهاً لوجه.
النتيجة: فهم الشارع أن القسوة كانت هي البديل عن الانهيار.
*3.
البرلمان كـ" سد فراغ" ضد الفوضى*السياسة لا تعرف الفراغ.
إن صمت البرلمان عن وجع الناس، ملأته 3 جهات فوراً: شائعات السوشيال ميديا، وخطاب التيئيس المنظم، والشارع غير المنضبط.
البرلمان هو الجهة الوحيدة التي تملك" احتكار الشرعية" لمناقشة الألم الوطني.
تخليه عن هذا الدور هو تسليم الساحة لغيره.
*4.
البرلمان كـ" ميزان القوة الذكية" بين الدولة والمواطن*الأمن القومي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بمعادلة: دولة قوية + أسرة مستقرة.
دور البرلمان أن يضع" فلتر اجتماعي" على كل تشريع: هل هذا القانون يقوي الجبهة الداخلية أم يصدعها؟ التشريع الذي يكسر ظهر الطبقة الوسطى هو تهديد للأمن القومي لا يقل عن أي تهديد خارجي.
*ثانياً: خارطة طريق الفصل التشريعي الثالث بعد العمل بدستور ٢٠١٤ - من النظرية إلى غرفة العمليات*إذا أراد النائب أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشهد، فعليه الالتزام بخمس قواعد اشتباك:*القاعدة 1: فقه الأولويات هو فقه البقاء*في غرفة الطوارئ، لا يناقش الطبيب تجميل الأنف والمريض ينزف.
الأجندة التشريعية يجب أن تُحشد إجبارياً حول 4 ملفات لا خامس لها: *احتواء الأسعار - إصلاح الصحة - إنقاذ التعليم - شبكة الحماية الاجتماعية*.
أي قانون خارج هذا المربع في أول دور انعقاد من الفصل التشريعى الثالث هو رفاهية تشريعية لا نملك ترفها.
*القاعدة 2: استبدال" خطاب الوعود" بـ" خطاب المصارحة" *المواطن المصري 2026 ليس مواطن التسعينيات.
الواتساب عنده قبل نشرة الأخبار.
النائب الذي يكسب هو من يقول: " الوضع صعب للأسباب 1، 2، 3.
والحل سيكلفنا 1، 2، 3.
ودورك أنت كمواطن هو 1، 2".
الصدمة بالحقيقة أرحم من الصدمة باكتشاف الكذب.
المصداقية اليوم هي العملة الانتخابية الوحيدة.
*القاعدة 3: العودة من" نائب المعاملات" إلى" نائب الدولة" *توقيع طلب علاج على نفقة الدولة مهم، لكنه لن يحمي وطناً.
النائب في 2026 يجب أن يُقاس وزنه بعدد الجلسات الجماهيرية التي يعقدها ليشرح، وعدد طلبات الإحاطة التي يقدمها ليكشف، وعدد الاستجوابات التي يمنع بها كارثة قبل وقوعها.
الحضور الميداني وقت الشدة هو" التطعيم النفسي" ضد الشائعة.
*القاعدة 4: التشريع بنظارة مزدوجة: الأمن القومي + الأمن الاجتماعي*قبل أن ترفع يدك بالموافقة على أي قانون، اسأل سؤالين:هل هذا يقوي قدرة الدولة على الصمود؟ نعم/لاهل هذا يحافظ على قدرة الأسرة المصرية على الصمود؟ نعم/لاإذا كانت إجابة أحد السؤالين" لا"، فأنت أمام خلل استراتيجي، لا مجرد خلل فني.
*القاعدة 5: بناء" البرلمان الرقمي المقاتل" *المعركة اليوم معركتان: معركة على الأرض، ومعركة على الوعي.
لا يمكن أن تترك البرلمان بلا منصة رقمية تشرح كل قانون في 90 ثانية، وترد على كل شائعة في 90 دقيقة.
التجربة البريطانية" UK Parliament Explained" والتجربة الإماراتية" المجلس الوطني الاتحادي" أثبتتا أن البرلمان الذي لا يملك روايته، ستُكتب روايته بيد خصومه.
*الخلاصة: البرلمان الذي نحتاجه*مصر لا تحتاج" برلمان صدام" يعطل الدولة في لحظة خطر، ولا تحتاج" برلمان صمت" يفقدها الشارع في لحظة غليان.
مصر تحتاج *" برلمان التوازن الاستراتيجي" *.
مؤسسة تفهم أن دورها هو إدارة المسافة الحرجة بين مقتضيات بقاء الدولة، ومقتضيات بقاء المواطن.
برلمان يعمل كـ" نظام تعليق" Suspension System في سيارة تسير في طريق وعر: مهمته ألا تنكسر السيارة، وألا يموت الركاب من المطبات.
هذا البرلمان هو حائط الصد الداخلي الذي يوازي في أهميته حائط الصد على الحدود.
*سؤال أخير للرأي العام والنخبة: *إذا كان عليك أن تختار ملفاً تشريعياً واحداً فقط ليكون" بند رقم 1" على أجندة المجلس، ويكون قادراً وحده على ترميم الثقة بين الدولة والمواطن، فما هو هذا الملف ولماذا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك