في الصباح الباكر، وقبل أن تستيقظ المدينة على صخبها المعتاد، تدب الحياة داخل ورش الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، صوت الماكينات القديمة يمتزج بحركة العمال ليصنع نغمة خاصة، وكأن المكان ما زال يعيش بإيقاعه المعتاد منذ عقود.
لكن خلف هذا الضجيج الصلب، هناك حياة أخرى أكثر خفاءً وإنسانية، عمال لا تختصرهم المهنة وحدها، بل يحمل كل منهم عالماً موازياً، يولد بعيداً عن صوت الماكينات.
وفى عيد العمال، نفتح أبواب الورش لنرى وجهاً آخر لـ«الأسطوات»، حيث يُنحّى كل منهم الماكينة جانباً، ليمسك بآلة نحاسية، تعزف نغماً يغذّى روحه، ويثبت أن الصنايعى ليس مجرد ترس فى آلة، بل أحياناً فنان يُطوع المعدن مرتين: مرة ليُرزق.
وأخرى ليُطرب ويعيش.
أمضى حاتم رفعت أكثر من أربعة وثلاثين عاماً بين الورش، حتى بات يميز الماكينات جيداً من صوتها فقط، فيقول بابتسامة هادئة: «بقيت باسمع الماكينة قبل ما أشوفها، كل واحدة ليها صوت مختلف».
لكن بعيداً عن صوت الحديد، هناك صوت آخر أكثر دفئاً يسكن حياته.
قبل 22 عاماً، لم يكن «حاتم» يعرف أن حياته ستنقسم بين عالمين، حتى لمح فرقة موسيقية فى المحلة، فاقترب بدافع الفضول، ومن هنا بدأت الحكاية.
يقول وهو يتذكر بدايته: «وقفت أتفرج عليهم، حسيت إنه فيه حاجة مختلفة بتنادينى، ومن يومها ماسيبتش الترومبيت».
شيئاً فشيئاً تعلّم، جرب، وبدأ يعزف، حتى أصبح الترومبيت جزءاً منه، لا يقل حضوراً عن عمله.
واليوم، وهو يقف كمدرب لفرقة غزل المحلة الموسيقية، يقول: «الموسيقى بالنسبة لى مش هواية وبس، دى الراحة اللى بعد تعب اليوم، والحاجة اللى بتخلينى أكمل».
وعلى الجانب الآخر، يقف عبدالغفار زكى، ميكانيكى معدات ثقيلة، بين الأوناش والجرارات التى لا تهدأ.
بدأ عمله عام 1990، ومنذ ذلك الوقت وهو يتعامل مع الأعطال كأنها لغة يفهمها وحده.
لكن «عبدالغفار»، رغم صلابة عمله، يحمل جانباً آخر أكثر نعومة، قبل 20 عاماً، بدأت حكايته مع الموسيقى النحاسية، حين شاهد فرقة موسيقية فى المحلة، فاقترب منها كما يقول: «كنت واقف باتفرج، ومش فاهم ليه قلبى دق وقتها، بس حسيت إنى عايز أجرب».
ومن هنا، بدأ يتعلم ويجرب، حتى أصبح يعزف على الترومبيت داخل الفرقة.
يقول بابتسامة: «الموسيقى بالنسبة لى مش بس صوت، دى حاجة بتفصلنى عن تعب الشغل، بتخلينى أرجع إنسان تانى».
دخل حسن سعد خضر ورش الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، صبياً صغيراً عام 1983، لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، وكأن القدر اختار له أن يكبر بين الخشب والحديد.
كان وجود والده داخل نفس الشركة هو البوابة الأولى له للدخول إلى هذا العالم، لكن البقاء كان بفضل خبراته التى اكتسبها فى الخراطة على الخشب.
ومع مرور السنوات، تحولت الورشة من مكان عمل إلى مدرسة كاملة، واصل تعليمه بجانب العمل، حتى حصل على مؤهل صناعى، ثم تم تثبيته داخل الشركة، وتدرّج عبر الوقت حتى أصبح رئيس قسم.
وبعيداً عن صوت الماكينات ورائحة الخشب، لـ«حسن» عالم آخر مختلف تماماً، عالم يأخذه إلى أعلى قمم سعادته، وهى هوايته التى يعتز بها، الموسيقى النحاسية، ذلك النوع الذى يرتبط بالاحتفالات والمواكب، ويمنحه شعوراً مختلفاً تماماً عن صخب الورشة، كما يشارك فى التنورة مع أولاده، فى مشاهد تجمع بين التراث والحركة والبهجة، وكأن حياته تمتد بين عالمين: واحد صناعى داخل المصنع، وآخر فنى وإنسانى خارج أسواره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك