يشهد الشرق الأوسط اندلاع عدة صراعات كامنة، تنعكس على الحدود الإقليمية لمصر، في وضع غير مسبوق، إذ تتفجر الصراعات على كافة حدودها الاستراتيجية، فهناك توترات اليمن، بالإضافة إلى امتداد التصعيد في حرب إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ومن قبلها حرب غزة، والصراعات غير المحسومة في لبنان، لتبقى المنطقة على حالة من التوتر.
وفي مناطق أخرى، تستمر الصراعات في السودان وليبيا، ووسط كل ذلك تسعى الدولة المصرية إلى الحفاظ على تماسك مؤسساتها الوطنية والاستمرار في مسار التنمية، لتصبح القاهرة واحة للاستقرار في منطقة تمزقها الحروب.
«فهمي»: مصر استطاعت بناء مناعة وطنية في التعامل مع تطورات الأوضاع والمتغيرات الرئيسيةيرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، في تصريحاته لـ«الوطن» أن القاهرة نجحت في مواجهة إقليم مضطرب لعدة أسباب، أولاً: الحفاظ على ما يسميه الرئيس عبد الفتاح السيسي «الدولة الوطنية»، ثانياً: انخراط القاهرة في محاولات خفض التوتر في الإقليم، وهو ما يظهر بوضوح في غزة، ثم في الأزمة الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية، مضيفاً: «من ثالث الأسباب قدرة القاهرة على بناء مناعة وطنية في التعامل مع تطورات الأوضاع، وجزء من ذلك مرتبط بالسياقات السياسية التي تتشكل في المنطقة».
أكد «فهمي» أننا أمام وقائع سياسية وإجراءات لها تأثيراتها على أمن الإقليم بأكمله، وهناك عدة نقاط أخرى متعلقة بحفاظ القاهرة على استقرارها ونظامها، في إقليم يعاني من توتر وسيولة سياسية غير واضحة، كما أن القاهرة تركز على متابعة التطورات القادمة في الإقليم، خاصة في ظل المتغيرات الرئيسية التي قد تحدد مسار الأحداث، لافتاً إلى أن هذا الإقليم المتوتر يدفع القاهرة إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات والتدابير، من بينها الاتصالات الرئاسية مع قادة وزعماء العالم، والمشاركة في المؤتمرات الدولية.
وأوضح أن مصر استضافت مؤتمرات ولقاءات للحوار الليبي، إلى جانب لقاءات مستمرة مع الأشقاء في غزة بشكل شبه أسبوعي، بهدف خفض التوتر والحفاظ على استقرار الأوضاع، بحسب «فهمي»، كما يرتبط ذلك بأمن الخليج، حيث قام الرئيس بزيارات متتالية لدول الخليج بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، في إطار الحرص على التواصل الإقليمي.
وتابع: كل ذلك ينعكس على تماسك النظام الإقليمي، وقدرة القاهرة على الحفاظ على مكانتها في هذا الإقليم المضطرب بكل ما يحمله من تحديات.
أما الدكتور محمد الطماوي، خبير العلاقات الدولية، فقد وصف المشهد قائلاً: «من السودان إلى ليبيا وغزة، مروراً بتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، والتوترات المستمرة في لبنان واليمن، تواجه المنطقة حالة غير مسبوقة من السيولة الأمنية والسياسية، انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد، وحركة التجارة، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومعدلات الاستثمار، مؤكداً أن هذه الأزمات المتشابكة أعادت التأكيد على أن بقاء مؤسسات الدولة الوطنية واستمرار قدرتها على العمل أصبحا العامل الحاسم في تحديد قدرة الدول على الصمود أو الانهيار».
أوضح «الطماوي» أن الدولة المصرية نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها، رغم حجم الضغوط الإقليمية والاقتصادية الهائلة، فمصر لم تواجه فقط تحديات داخلية مرتبطة بالإصلاح الاقتصادي أو الضغوط التضخمية العالمية، وإنما تعاملت أيضاً مع بيئة إقليمية شديدة الاضطراب كان يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على استقرارها الداخلي، سواء عبر الحدود أو الأمن أو الاقتصاد أو ملف اللاجئين.
وقال «الطماوي» إن الأهمية الحقيقية لما حققته القاهرة تكمن في أن مؤسسات الدولة ظلت تعمل بكفاءة في وقت شهدت فيه دول أخرى تراجعاً حاداً في قدرة المؤسسات على إدارة الأزمات، فالدولة المصرية حافظت على وحدة القرار السياسي، واستمرار أداء مؤسساتها، وقدرتها على تنفيذ مشروعات بنية تحتية واستثمارات استراتيجية، بالتوازي مع إدارة ملفات إقليمية معقدة تتعلق بغزة وليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر.
وأكد الخبير السياسي أن مصر أدركت مبكراً أن الاضطراب الإقليمي لم يعد قضية أمنية فقط، بل أصبح تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي، موضحاً أن الحرب في غزة والتوتر في البحر الأحمر أثّرا على حركة الملاحة وسلاسل التجارة العالمية، كما أن التصعيد الإيراني الإسرائيلي رفع من مخاطر تقلبات أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ورغم ذلك، تحركت الدولة للحفاظ على استقرار الأسواق، وتأمين الاحتياجات الأساسية، والاستمرار في جذب الاستثمارات والشراكات الدولية، مع تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة والغاز والنقل والخدمات اللوجستية.
وبحسب «الطماوي»، فإن القاهرة تعاملت مع أزمات الإقليم بمنطق حماية الدولة الوطنية ومنع انهيارها، لأن التجارب المحيطة أثبتت أن انهيار المؤسسات يؤدي إلى فراغ أمني واقتصادي طويل المدى يصعب احتواؤه، ما جرى في ليبيا والسودان كشف بوضوح أن غياب المؤسسات المركزية يفتح المجال أمام الميليشيات والتدخلات الخارجية والانهيار الاقتصادي، وهو ما يفسر تمسك مصر بدعم فكرة الدولة الوطنية والحلول السياسية التي تحافظ على وحدة الجيوش والمؤسسات الرسمية.
وحافظت مصر على سياسة اتزان في إدارة الملفات الإقليمية، بحسب تأكيد «الطماوي»، قائلاً إنها لم تدخل في مغامرات، لكنها في الوقت نفسه حافظت على دورها كفاعل رئيسي في ملفات الوساطة والتهدئة، خاصة في القضية الفلسطينية، انطلاقاً من ارتباط هذه الملفات المباشر بالأمن القومي المصري.
وأوضح أن أهمية التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة لا ترتبط فقط بتجاوز مرحلة صعبة، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على مؤسساتها واستمرارية عملها وسط إقليم يعاني من التفكك والصراعات الممتدة.
وفي منطقة أصبحت فيها هشاشة الدولة خطراً استراتيجياً، بات الحفاظ على قوة المؤسسات واستقرارها عنصراً أساسياً في الأمن القومي والتنمية الاقتصادية معاً، وأضاف: «بالتأكيد، المحيط الإقليمي وحالة عدم الاستقرار في المنطقة يدفعان القاهرة للحفاظ على مزيد من الاستقرار من خلال إجراءات واتصالات لخفض التوتر، وتحركات الدبلوماسية الرئاسية تلعب دوراً مهماً، بالإضافة إلى الدبلوماسية المهنية الممثلة في وزارة الخارجية، بقيادة بدر عبد العاطي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك