تعيش عائلات في جنوب سوريا حالة ترقّب وقلق مستمر، مع استمرار غموض مصير عشرات المدنيين الذين اعتقلتهم إسرائيل خلال عمليات توغل في المنطقة خلال الأشهر الماضية، وسط تزايد مناشدات الأهالي لكشف مصير أبنائهم والإفراج عنهم.
وفي كل مرة تسمع فيها طرقًا على الباب، تظن فاطمة الصفدي أن القوات الإسرائيلية قد أفرجت عن ابنيها محمد وأحمد، بعد نحو عام من احتجازهما.
غير أن مصيرهما، على غرار نحو 50 سوريًا اعتقلتهم إسرائيل، لا يزال مجهولًا حتى الآن.
" لم تكتمل فرحتي بتحرير سوريا"وكان ابناها محمد (40 عامًا) وأحمد (36 عامًا) ضمن سبعة أشخاص أعلن الجيش الإسرائيلي في 12 يونيو/ حزيران أنه اعتقلهم خلال" عملية ليلية دقيقة" في قرية بيت جن جنوب غرب العاصمة السورية دمشق، مشيرًا إلى أنه جرى نقلهم إلى إسرائيل للتحقيق، ومتهمًا إياهم بالتخطيط لشن هجمات، حسب زعمه.
وتقول فاطمة (57 عامًا)، وهي تفترش الأرض في منزلها المتواضع بالقرية حاملة صورة ولديها: " أسمع أحيانًا طرقًا على الباب، فأسرع لفتحه، لكنني لا أجد أحدًا في الخارج".
وتضيف بصوت مرتجف: " أنا خائفة على مصير ولديّ المعتقلين، وأخشى ألا يتم الإفراج عنهما".
من جهتها، لا تقوى عائشة الصفدي (53 عامًا) على حبس دموعها كلما نظرت إلى صورة ابنها حسان، الذي اقتادته القوات الإسرائيلية من بيت جن أيضًا في يونيو/ حزيران الماضي.
وتقول: " الأمر صعب لأننا لا نعرف شيئًا عنه"، مضيفة: " أعد الأيام والليالي، وفي كل يوم أقول لنفسي سيخرج".
وبينما يتحلق حولها أحفادها 3، تناشد المرأة" الحكومة السورية، كما عملت على إخراج معتقلين من دول عربية، أن تنظر في أمرنا وتساعد في إخراج أبنائنا من إسرائيل بكل الطرق الممكنة".
وفي تقرير نشرته في 28 أبريل/ نيسان الفائت، أفادت منظمة" هيومن رايتس ووتش" بأن القوات الإسرائيلية، بعد الإطاحة بـ الأسد، " احتلت أراضي سورية خارج خط فض الاشتباك لعام 1974، وأقامت عدة مواقع عسكرية داخل سوريا، ونفذت هجمات برية وغارات جوية متكررة".
وقالت إنها احتجزت" مدنيين سوريين تعسفًا ونقلتهم إلى إسرائيل، حيث يُحتجزون من دون تهمة وفي عزلة تامة".
وحين اعتقل الجيش الإسرائيلي في يونيو/ حزيران السوريين السبعة من أبناء القرية، زعم بأنهم" من حماس"، فيما أسفرت العملية حينها عن استشهاد مدني.
وفي 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية بهدف" توقيف مشتبه بهم ينتمون إلى الجماعة الإسلامية"، قال إنهم كانوا" يقومون بأنشطة ضد مدنيين في إسرائيل"، من دون تحديد عدد الموقوفين.
وأسفرت العملية حينها عن استشهاد 13 سوريًا وإصابة 6 جنود إسرائيليين.
ونفت الجماعة الإسلامية، في اليوم ذاته" أي نشاط لها خارج لبنان"، منددةً بـ" الزج باسمها" في أعمال لا علاقة لها بها.
من مكتبه داخل مبنى حكومي تقع قربه قاعدة إسرائيلية مستحدثة، يحصي المسؤول في محافظة القنيطرة محمد السعيد" اختطاف الجيش الإسرائيلي لأكثر من 50 شخصًا" من أبناء المنطقة.
ويقدر أن إسرائيل" احتلت أراضي جديدة بعمق يراوح بين 500 متر و1 كيلومتر، وبمساحة تُقدّر بنحو 240 كيلومترًا مربعًا"، عمدت قواتها فيها" إلى نصب حواجز مؤقتة واقتحام البيوت".
وأفاد متحدث باسم الجيش الإسرائيلي مكتب وكالة فرانس برس في القدس بأن القوات اعتقلت أفرادًا في سوريا" عند الاشتباه بتورطهم في نشاط إرهابي ضد إسرائيل"، حسب زعمه.
وأضاف أن الجيش يحتجز في بعض الحالات أفرادًا" لأغراض أمنية وقائية، وفقًا للقانون الإسرائيلي والقواعد المعمول بها في القانون الدولي"، مشيرًا إلى أن" أوامر الاحتجاز ومدتها تخضع للمراجعة القضائية".
ومنذ وصولها إلى دمشق، أبدت السلطات الجديدة إيجابية تجاه إسرائيل، وعقدت معها جولات محادثات عدة.
واتفق الطرفان، تحت ضغط أميركي، في يناير/ كانون الثاني الماضي، على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تمهيدًا لاتفاق أمني بين البلدين.
وفي بلدة خان أرنبة، يستعيد محمد محمود السيد (45 عامًا) بغصة تجربة اعتقاله لدى القوات الإسرائيلية العام الماضي قبل الإفراج عنه لاحقًا.
" خلال سجني لمدة 65 يومًا، كل لحظة مرت عليّ كانت أشبه بالحصار، ونحن بعيدون من أهلنا وأولادنا وأقاربنا".
" كل لحظة كانت تمر بلوعة، فكيف بمن مرّ عليه أكثر من سنة، ولا يعرف شيئًا عن أهله، ولا يعرف أهله شيئًا عنه؟ ".
وكانت وكالة الأنباء السورية الرسمية" سانا" قد أفادت بتوغل قوات الاحتلال الإسرائيلي، الثلاثاء الماضي، في قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي.
وبحسب متحدث مفوضية الأمم المتحدة ثمين الخيطان، في تصريحات صحفية بمقر الأمم المتحدة في جنيف، الثلاثاء الماضي، فإن الجيش الإسرائيلي احتجز، منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ما لا يقل عن 250 شخصًا جنوبي سوريا، بينهم أطفال، مشيرًا إلى أنّ 50 منهم لا يزالون قيد الاحتجاز، وأن بعضهم نُقل إلى سجون في الجولان السوري المحتل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك