نفتالي بينيت، لحم محترق، وصرخات نساء، وجثث وأشلاء ممزقة بعضها جرى التعرف على هويته، فيما بقي آخرون في قوائم المجهولين بين ركام مركز إيواء تابع للأمم المتحدة في مدينة قانا، الواقعة على بعد نحو 95 كيلومترا من العاصمة بيروت، والتي تحكي قصص التاريخ أنها كانت شاهدة عيان على أولى معجزات المسيح.
أما منفذ المجزرة فهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت والذي طرح نفسه مؤخرا منافسا قويا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
يرفع بينيت شعارات الحداثة والدين والقومية، وهي عناوين عريضة يوظفها في خطابه السياسي، مستندا إلى نجاحه في قطاع الشركات الناشئة، والذي مكنه من تكوين ثروة كبيرة.
ويسعى من خلال ذلك إلى استعادة قمة هرم السلطة الإسرائيلي، مدعوما بخلفية تؤمن بالصهيونية كحل أوحد لجمع الشتات الإسرائيلي تحت مظلة" نظام صهيوني ديني".
وبحسب تقرير سابق نشرته مجلة" فورين بوليسي" الأمريكية، يعد بينيت من" القادة الذين لا يخفون توجهاتهم الدينية المتشددة، على خلاف عدد من رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين مثل دافيد بن جوريون، وإيهود أولمرت، ومناحم بيجن، وأرييل شارون، وبنيامين نتنياهو، الذين وصفوا بدرجات متفاوتة من العلمانية، إذ اكتفوا بإظهار مظاهر دينية محدودة غالبا ما كانت تستهدف كسب تأييد التيارات الدينية والأرثوذكسية داخل المجتمع الإسرائيلي".
يميني أكثر تشددا من نتنياهويصف بينيت نفسه بأنه" أكثر تشددا من بنيامين نتنياهو" في توجهاته اليمينية، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه لا يتبنى" خطاب الكراهية أو الاستقطاب".
ويبدي المنافس الأقوى لنتنياهو –حتى اللحظة- استياء واضحا مما يراه تهميشا لليمين الإسرائيلي عموما، وللمتدينين خصوصا، معتبرا أنهم يشكلون" الأغلبية الصامتة" التي تتعرض للإقصاء نتيجة ما يصفه بسيطرة التيارات اليسارية على مفاصل مؤثرة مثل الإعلام والقضاء والمؤسسات الأكاديمية.
ولد بينيت لأبوين يهوديين أمريكيين علمانيين تنقلا بين كاليفورنيا ومونتريال، قبل أن تستقر العائلة في مدينة حيفا خلال سبعينيات القرن الماضي.
ومع مرور الوقت، اتجهت الأسرة نحو مزيد من الالتزام الديني، فأرسلت أبناءها إلى مدارس دينية.
وتلقى بينيت تعليمه في مدرسة" يشيفا" المتخصصة في دراسة التلمود، قبل أن يتدرج لاحقا في عدد من المناصب السياسية والعسكرية، من بينها توليه وزارة الخدمات الدينية بين عامي 2013 و2015، وهي الجهة المسؤولة عن" الإشراف على المواقع اليهودية المقدسة وتنظيم تعليم الدين اليهودي للمهاجرين الجدد".
يتباهى بينيت بمسؤوليته عن مذبحة قاناعسكريا، خدم بينيت كضابط في وحدة النخبة" ماجلان" خلال عملية" عناقيد الغضب" في لبنان عام 1996، حيث تولى قيادة قوة قوامها 76 جنديا.
وخلال تلك الفترة، ارتبط اسمه بمجزرة قانا الأولى، التي أسفرت عن مقتل 106 مدنيا (تشير بعض التقارير إلى ارتفاع العدد إلى 122 شهيدا)، وإصابة 250 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إثر قصف استهدف مركز إيواء تابع لقوات الأمم المتحدة.
وكان بينيت حينها يقود الكتيبة 67 ضمن وحدة عسكرية إسرائيلية، والتي ارتبط اسمها بتلك المذبحة.
وقعت مجزرة قانا في 18 أبريل 1996؛ حيث استهدفت إسرائيل مركز قيادة" فيجي" التابع لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، والذي احتمى داخله أكثر من 800 مدني لبناني هربا من الغارات الإسرائيلية.
وأفاد موشيه يعلون، الذي كان يشغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، بأن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود مدنيين داخل الموقع لحظة استهدافه، نافيا الرواية الإسرائيلية التي أنكرت علم بينيت وجنوده بوجود لاجئين مدنيين في مركز الأمم المتحدة".
وبحسب جريدة" إسرائيل اليوم"، قال بينيت: خرجت بالفعل إلى لبنان كي أدافع عن سكان الشمال وعلى مدى ثمانية أيام، مع عشرات المقاتلين، عملنا هذا بالضبط، لن أعتذر عن هذا، وأنا فخور به.
دعم المخططات التوسعية الاستيطانيةعرف عن بينيت دعمه القوي للمشروعات الاستيطانية التوسعية في الضفة الغربية، والعصابات الداعمة لها، وفي القلب منها العليات الإرهابية التي ظهرت عام 2008، تحت اسم" تدفيع الثمن"، وانطلقت من مستوطنة" يتسهار"؛ حيث دعم حزب" يمينا"، برئاسة بينيت –آنذاك- توغل المشروع الاستيطاني في الضفة والأغوار والقدس المحتلة، وهيمنة المستوطنين على معسكر اليمين الإسرائيلي، ونفذت عمليات إرهابية وهجمات على الفلسطينيين، والمساجد والكنائس والمقابر، واستبدالها بمعالم توراتية مزيفة.
وأكد بينيت في يناير 2022، صرّح بينيت لوسائل إعلام إسرائيلية أنه يعارض إقامة دولة فلسطينية، قائلا: " طالما أنا رئيس الحكومة فلن يكون هناك تطبيق لاتفاق أوسلو".
وخلال رئاسته الحكومة الإسرائيلية، أكد نفتالي أن القرارات المتعلقة بالمسجد الأقصى ومدينة القدس المحتلة تخضع للسيادة الإسرائيلية حصرا، بغض النظر عن الاعتبارات الخارجية، مؤكدا دعمه الشديد لاستمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد، معتبرا إياها" حرية عبادة".
يحاول بينيت ارتداء عباءة الراهبفي إطار مساعيه لإنهاء حقبة بنيامين نتنياهو، أعلن نفتالي بينيت تحالفه مع يائير لابيد، رئيس حزب" يوجد مستقبل"، ضمن كيان سياسي جديد يحمل اسم" معا".
وتأتي هذه الخطوة في سياق تحركات تستهدف إنهاء حقبة نتنياهو السياسية؛ وذلك قبل ستة أشهر من الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقرر إجراؤها أكتوبر القادم.
ويحاول بينيت -ذو الأفكار القومية المتشددة- تقديم نفسه بصورة أكثر اعتدالا، في خطاب لا ينسجم مع تاريخه العسكري والسياسي الدمويين؛ حيث وجه انتقادات لحكومة نتنياهو التي تضم بتسلئيل سموتريتش وأرييه درعي، واصفا إياها بـ" المروعة"، لكنه أقر في الوقت ذاته بأنها تتميز بالتماسك والالتفاف حول قيادة واحدة.
وأضاف أن المعسكر" الصهيوني-الليبرالي" قد يتوحد خلفه، مؤكدا أنه يجمع بين الحزم اليميني أمنيا وسياسيا، والتوجه الليبرالي، ومراهنا على تحقيق" فوز كاسح".
مشروع سياسي قائم على التحالفات الصهيونيةيواصل نفتالي بينيت عرض ملامح مشروعه السياسي، موضحا أن حزب" معا" يهدف إلى إلغاء إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، والحد من سياسات المخصصات، بالتوازي مع العمل على استعادة الأمن والنظام في الشارع الإسرائيلي في ظل تصاعد مظاهر العنف.
كما يطرح رؤية لتحسين الأوضاع المعيشية، لا سيما ما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن التي تؤثر على فئة الشباب.
ويؤكد بينيت أن حكومته المحتملة ستعتمد حصريا على أحزاب" صهيونية" تتبنى مبدأ الخدمة العسكرية الشاملة، مع ترحيبه بانضمام أي طرف يلتزم بهذه المرتكزات الأساسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك