الضفة – «القدس العربي»: في مساء كل خميس، ومع اقتراب الساعة السابعة، تبدأ ملامح «سوق الجمعة» في رام الله بالتشكل تدريجيا؛ بسطات تُفرش على عجل، وأكياس تُفتح، وبضائع بسيطة تُرتب على الأرض، من ملابس مستعملة وبعضها جديد، وأحذية، وأدوات منزلية، وخضروات، وأغراض لا تحمل قيمة كبيرة في السوق التقليدية، لكنها هنا تمثل فرصة حياة.
أصوات الباعة تختلط بنداءات الزبائن، بينما تتحرك وجوه أنهكها التعب، لكنها لا تزال متمسكة بمحاولة الاستمرار.
في هذا المكان، لا يُعرض فقط ما يمكن بيعه، بل تُعرض حكايات كاملة لعمال فقدوا أعمالهم، ووجدوا أنفسهم فجأة خارج سوق العمل، يحاولون إعادة بناء حياتهم من الصفر، بوسائل بسيطة وإمكانات محدودة.
يأتي هذا المشهد في وقت يصادف فيه يوم العمال العالمي، الذي يُفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالعمال وحقوقهم، إلا أنه تحول بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين إلى تذكير قاس بواقع اقتصادي يزداد تعقيدا.
فمنذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر، تغيرت ملامح سوق العمل بشكل جذري، خاصة بعد منع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، وهو ما شكل ضربة قاسية لواحد من أهم مصادر الدخل في الضفة الغربية المحتلة.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم هذا التحول، إذ ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 28%، بعدما كانت 13%، فيما انخفض عدد العاملين بنسبة تقارب 15%.
أما في قطاع غزة، فقد وصلت البطالة إلى نحو 68%، مع خروج نحو 74% من العاملين من سوق العمل.
هذه المؤشرات لا تعبر فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن تحولات عميقة أثرت على بنية الحياة اليومية لعشرات آلاف العائلات الفلسطينية.
في أحد أطراف السوق، يقف عائد صالح من بلدة عصيرة القبلية قرب نابلس، يراقب المارة وهو يعرض بعض البضائع البسيطة.
يقول بصوت مثقل بالهموم إن العمال في فلسطين يعانون من غياب أبسط حقوقهم، خاصة بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر؛ إذ توقفت الأعمال، وسط حصار على الشعب الفلسطيني كله، خاصة التجار.
بالنسبة إليه، لم يعد العمل خيارا، بل أصبح أمنية مؤجلة، في ظل غياب الفرص وتضييق سبل الوصول إلى مصادر الرزق.
أما الحاج مسعود مناصرة (74 عاما)، من بلدة بني نعيم في الخليل، الذي أمضى 13 عاما يعمل داخل الخط الأخضر، فيتحدث عن تلك الفترة كمرحلة استقرار نسبي انتهت فجأة.
يقول لـ»القدس العربي»: «كنا عايشين بشكل منيح، ولما انقطعنا عن العمل صار الوضع سيئا جدا.
منع العمال من الدخول لم يكن مجرد إجراء مؤقت، بل نقطة تحول قاسية قلبت حياة آلاف العائلات رأسا على عقب».
ويضيف الحاج مناصرة: «الناس صارت تتهرب، في ناس انقتلت واستشهدت وناس انسجنت، كله عشان لقمة العيش! ».
هذه الجملة تختصر واقعا معقدا من حياة آلاف العمال الفلسطينيين الذين تطاردهم قوات الاحتلال وتستهدفهم بالرصاص الحي والاعتقالات، بحجة عدم حصولهم على «تصاريح عمل داخل الخط الأخضر»، حيث لم يعد العمل مجرد نشاط اقتصادي، بل مخاطرة قد تكلف الإنسان حياته أو حريته.
هذا الواقع تجسد بشكل صادم في حادثة أثارت جدلا واسعا، حين اضطر عشرات العمال الفلسطينيين إلى الدخول إلى داخل الخط الأخضر مختبئين في شاحنة نقل نفايات، في محاولة للوصول إلى أعمالهم.
حادثة لم تكن استثناء بقدر ما كانت انعكاسا لحجم الأزمة، ودليلا على أن الحاجة قد تدفع الإنسان إلى خيارات لم يكن يتخيلها، من أجل أن ينعم أبناؤه بكرامة وعزة.
في السوق، تتكرر هذه القصص بأشكال مختلفة.
عز منيطات من أريحا، الذي عمل لسنوات في وظيفة مستقرة، وجد نفسه فجأة بلا عمل.
في حديثه لـ»القدس العربي» يقول: «الوضع مرير وصعب جدا، ليس فقط توقف العمل، بل حياتنا تأثرت، كل شيء تأثر».
يوضح أن فقدان العمل لم يؤثر عليه وحده، بل امتد ليشمل أسرته، وتعليم أبنائه، وقدرته على تأمين الاحتياجات الأساسية.
كل شيء توقف!ويشير إلى أن الأزمة لم تقتصر على قطاع العمل، بل انعكست على مختلف القطاعات، من التعليم إلى التجارة، ما أدى إلى حالة ركود عامة أثرت على الجميع.
ويضيف في وصف بسيط لدورة اقتصادية شبه متوقفة: «إذا ما في شغل، ما في مصاري… وإذا ما في مصاري، ما في حركة بالسوق».
أما عاهد نصاصرة من بلدة بيت فوريك قرب نابلس، فيسلط الضوء على جانب آخر من الأزمة، وهو غياب البدائل المحلية.
يوضح أن توجه العمال للعمل داخل الخط الأخضر لم يكن خيارا ترفيهيا، بل ضرورة فرضها الواقع الاقتصادي.
يقول لـ»القدس العربي» مشيرا إلى الفارق الكبير في الأجور: «هون ممكن تشتغل بـ500 شيكل، بس هناك كنت تشتغل بـ2000 أو 3000 شيكل»، ورغم ذلك، فإن إيجاد فرص العمل أصبح شبه مستحيل في الضفة الغربية المحتلة.
هذا الفارق، حسب نصاصرة، هو ما دفع الشباب إلى المخاطرة: «مش لأنه الناس ما بدها تشتغل هون… بس لأنه ما في شغل»، وهنا جوهر المشكلة.
وتنسجم هذه الشهادات مع بيانات سوق العمل، التي تشير إلى تراجع واسع في فرص التشغيل، خاصة في قطاعات مثل البناء والتشييد، التي كانت تشغل نسبة كبيرة من العمال، إلى جانب الصناعة والنقل.
كما انخفض عدد العمال من الضفة الغربية العاملين داخل الخط الأخضر بشكل حاد، من نحو 172 ألف عامل إلى نحو 25 ألفا، قبل أن يرتفع تدريجيا إلى 51 ألفا، وهو رقم لا يزال بعيدا عن مستوياته السابقة.
في ظل هذا الواقع، تغيرت نظرة العمال إلى يومهم العالمي، فبدل أن يكون يوما للراحة أو الاحتفال، أصبح يوما عاديا، أو حتى يوما للعمل إن توفرت الفرصة.
الحاج مسعود يختصر هذا التحول بقوله: «اليوم اللي بنشتغل فيه صار هو العيد».
فعيد العمال الفلسطينيين هو يوم إيجادهم فرصة عمل!عبارة تحمل الكثير من الدلالات، وتعكس حجم التحول في أولويات الحياة اليومية.
وسط كل ذلك، يبرز «سوق الجمعة» كمحاولة شعبية لإيجاد بدائل، ولو محدودة.
هو ليس حلا جذريا، لكنه مساحة تمنح العمال فرصة مؤقتة للاستمرار.
هنا، يحاول كل شخص أن يستثمر ما لديه، مهما كان بسيطا، في محاولة لتأمين دخل يساعده على تجاوز يومه.
لكن، ورغم هذا الجهد، يدرك كثيرون أن هذه الحلول تبقى مؤقتة، ولا يمكن أن تعوض فقدان العمل المستقر أو توفر الأمان الاقتصادي.
فالدخل محدود، والمنافسة كبيرة، والظروف العامة لا تساعد على تحقيق استقرار طويل الأمد.
لا يمكن النظر إلى «سوق الجمعة» كمجرد سوق شعبي عابر، بل كمرآة تعكس واقعا اقتصاديا واجتماعيا معقدا، وهو مساحة تختلط فيها الحاجة بالإرادة، والخسارة بالمحاولة، واليأس بالأمل.
وبين بسطات السوق وأصوات الباعة، تتشكل قصة أكبر؛ قصة عمال يحاولون إعادة تعريف العمل، ليس كوظيفة ثابتة، بل كفعل يومي للبقاء.
وفي يوم العمال العالمي، تبدو هذه القصة أكثر وضوحا من أي وقت مضى: هنا، لا يُقاس العمل بساعاته، بل بقدرته على إبقاء الإنسان واقفا، رغم كل ما يحيط به من تغيــرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك