رامي رأفت روائي وباحث في التاريخ.
له روايات مثل» كومالا ابن النار» التي فازت بجائزة كتارا عام 2023، وكتب مهمة مثل «تهويد الغرب»، الذي كتبت عنه من قبل منذ أشهر.
يعتمد في كتبه البحثية على مراجع كثيرة مهمة، لكن أيضا لا يتخلى عن السرد القصصي، فيصور لك بعض الأحداث في شكل مشهدي، وحوارات متخيلة فيصبح الكتاب أكثر متعة.
هذا الكتاب يحمل عنوان» النازيون العرب» وعنوانا فرعيا هو» القصة الكاملة لتحالف لم يكتمل»، الكتاب صادر عن دار الرواق المصرية.
بلا شك يجذبك العنوان خاصة إذا كنت قرأت من قبل، عن الأحوال في مصر والدول العربية أثناء الحرب العالمية الثانية، وكيف نكاية في إنكلترا وفرنسا، كان في مصر الكثير من الأحزاب والشخصيات المهمة، تتمني أن ينجح هتلر في أن يهزم إنكلترا وفرنسا ويدخل مصر.
وكذلك من أهل الشام والعراق، كان هناك من يريد أن يخلصهم من الحكم الفرنسي والإنكليزي.
يبدأ الكتاب بداية مشهدية، عنوان الفصل الأول» أدولف هتلر» وفيه صورة لهتلر، وتحتها عبارة «العرب المساكين مسالمون وقد تخلى عنهم الجميع»، والآن أثناء الحرب العالمية الثانية ينتظر المصريون الحاج محمد هتلر ليخلصهم من الإنكليز.
تجد نفسك في مقهى وحوار بين الجالسين من عامة الشعب، عن كيف بدأ اليهود يبيعون أملاكهم ويشترون بها ذهبا، ليهربوا من هتلر الذي تقترب قواته من مصر عبر الصحراء الغربية، ويختلفون في اسمه هل هو الحاج محمد أم حيدر؟ المهم أن يخلصهم من الإنكليز.
حديث بحثي بعد ذاك عن إعجاب هتلر بالإسلام في كتابه «كفاحي»، ورأيه في الكنيسة، والعلاقات بينه وبين الفاتيكان، التي كانت فيها علاقات سرية بين الفاتيكان وإنكلترا، وتشجيعه للانقلاب على هتلر.
رأي هتلر في المسيحية وتاريخ الحزب النازي معها، وكيف رآها هتلر ديانة أسطورية سيحطمها العلم يوما، وكيف دعا إلى دين جديد يؤمن بأفكاره، فهو يعتقد بأنه يعمل بسلطان الله ـ هنا أتذكر نتنياهو وما يفعله بالفلسطينيين واللبنانيين والعرب، وكيف استفاد من يتاجر بالهولوكست من هتلر.
يأتي الحديث عن هتلر والأجناس وكيف فتنته فكرة الشعب المختار اليهودية، لكن جعلها للجنس الآري، بينما اليهود ينتمون لعرق أدني، وهي أفكار سبقته عند بعض المفكرين، لكنه آمن بها.
فكرة نقاء الجنس، لكن يختلف الأمر مع المصريين، أو العرب.
يقول هتلر مثلا عن أمين الحسيني، مشيدا بذكائه غير العادي، إنه يتساوى مع اليابانيين و» يا له من شخص جميل أزرق العينين آريْ الملامح، لا بد أن أسلافه من الآريين، على الرغم من ملامحه الحادة، ومن المحتمل أن هذه الآرية قد امتزجت لديه بأحسن ما ورثه عن الرومان»، الحديث طويل عن نفعية هتلر، وكيف تم تشكيل لجنة موسعة ولجنة مصغرة لتعظيم الإسلام، وإيجاد علاقة بين المهدي المنتظر وهتلر، والاستفادة من أوجه التشابه بين الإسلام والاشتراكية النازية.
نصل إلى الفصل الثاني الذي عنوانه «الملك فاروق»، لندخل إلى مصر وبشكل روائي أيضا، فتكون المقدمة حوارا بين السير مايلز لامبسون السفير البريطاني في مصر وزوجته، ونيته إجبار الملك فاروق علي تغيير الوزارة في فبراير/شباط عام 1942 وتعيين مصطفي النحاس الوفدي رئيسا لها، وكيف حدث ذلك.
تاريخ العلاقة بين فاروق وهتلر منذ توفي والده الملك فؤاد، وأرسل له هتلر رسالة رثاء مؤثرة، وكيف أهداه بمناسبة زواجه بالملكة فريدة سيارة فخمة «مرسيدس بينز» حمراء طراز 770، لم ينتج منها في ألمانيا غير ثلاث سيارات، الأولى تم إهداؤها لشاه إيران، والثانية يستخدمها هتلر، والثالثة للملك فاروق، بينما كانت هدايا ملك بريطانيا، أو رئيس فرنسا لا قيمة لها أمام هدية هتلر.
كيف بدأت الاتصالات بين الملك ودول المحور إيطاليا وألمانيا، وكيف أخبرهم بأسرار عن الجيش البريطاني، وما قررت بريطانيا فعله، إذا نجحت قوات المحور في دخول مصر، من إغراق البلاد في المياه وغير ذلك، بالإضافة إلى التدابير الحربية للإنكليز والأمريكيين في مصر، وتوزيع قواعدهم الحربية، ولذلك كان موقف أمريكا سلبيا من فاروق حين حدثت حركة يوليو/تموز عام 1952.
نأتي إلى الفصل الثالث عن أمين الحسيني مفتي القدس، كمثل آخر على التعاون مع ألمانيا وإيطاليا.
أمين الحسيني الذي كان ضد الإنكليز، وما يفعلونه في فلسطين من إحلال للصهاينة على الأرض، وكيف تم طرده من البلاد.
رحلته بين العراق وإيران وغيرها وحالته بينها، وتفاصيل الأحوال في كل البلاد، حتى استطاع الهروب.
طريق الهروب الصعب الذي شمل بلادا كثيرة مثل، تركيا وبلغاريا ورومانيا وغيرها، حتى وصل إيطاليا ثم ألمانيا.
حواراته مع موسوليني وهتلر ورجالهما.
كيف كانت قضيته هي تحرير فلسطين والدول العربية، وإيقاف النمو الصهيوني، وكيف وافقاه على ذلك، خاصة ما يخص فلسطين.
تفاصيل مشروعات لذلك لم تنفذ لأسباب مختلفة يطول عنها الحديث.
معرفته بالكثير مثل موعد الغزو الأمريكي للمغرب العربي، وكيف جَمَّل للألمان التعاون بينهم وبلاد المغرب، وشرح لهم مطالب المغرب.
دوره أيضا في مساعدة إندونيسيا في الحصول على استقلالها.
تفاصيل مذهلة حتى انتهت الحرب واستطاع الهروب إلى مصر.
كيف لم يكن خائنا، ولم يكن نضاله ضد اليهود من أثر النازية، فهو يفرق دائما بين الدين والسياسة، فنضاله كان ضد الحركة الصهيونية واغتصاب البلاد، ولم يكن كما قال أكبر حارق للعرب وهو نتنياهو، إنه من أقنع هتلر بحرق اليهود.
كان هتلر وإيطاليا ملاذه لتحرير بلاده مثل الملك فاروق، وكما قال أمين الحسيني نفسه: «إن الاستقواء بألمانيا لم يكن خيارا سهلا لرجل يعتمر العمامة، لكنه تحول إلى خيار وحيد بعدما حاربتنا كل القوى الكبرى، ورفضت مساندة قضيتنا».
ننتقل إلى رشيد عالي الكيلاني.
الحياة السياسية في العراق تحت الاستعمار البريطاني، واتجاهات قادتها المختلفة مثل نوري السعيد، الذي يميل إلى التعاون مع الإنكليز، صونا لاستقلال البلاد الجزئي وفقا لمعاهدة 1930 وتيار ثوري مثل رشيد عالي الكيلاني رئيس الديوان الملكي، يميل إلى تحدي الإنكليز، وفتح قنوات دبلوماسية مع الطليان والألمان.
الانقلاب على وزارة رشيد الكيلاني، ما جرى حتى هرب.
رحلة هروب طويلة أيضا حتى وصل إلى مصر، ثم السعودية ثم الإسكندرية ثم سفره إلى العراق 1958 لتتم محاكمته بتهمة التآمر على عبد الكريم قاسم، ثم يتم إخلاء سبيله ليسافر إلى لبنان يموت فيها وينقل جثمانه إلى بغداد.
يأتي الفصل الخامس بعنوان هزيمة ألمانيا.
من أبرز ما فيه الجرائم التي قام بها المنتصرون من الحلفاء، من قصف المدن والحرائق واغتصاب النساء من المهزومات والمحررات معا في كل المدن، وكيف زكّى المنتصرون أنفسهم بإخفاء جرائمهم واعتبار كل ضحاياهم «حصلوا بالضبط على ما يستحقون».
يأخذك هذا إلى ما فعلته وتفعله إسرائيل الآن ويقوله حكامها عن العرب.
يأتي الفصل السادس عن الهجرة النازية إلى مصر.
يشمل من هاجروا من العلماء إلى أمريكا وإنكلترا وفرنسا، وبالأسماء للكثيرين منهم، والصف الثاني من العلماء الذين هاجروا إلى مصر بعد انتهاء الحرب، وفي الخمسينيات والستينيات أيام عبد الناصر.
مشروعات الصواريخ المصرية مثل القاهر والظافر وغيرهما، وكيف فشلت بعد هزيمة 1967.
هنا أيضا لا تفارقك الأسماء ومن تحول منهم إلى جاسوس، وتهديدات إسرائيل بقتلهم، بل عمليات القتل لهم في مصر وخارجها، وكانت الوسيلة الشائعة هي إرسال خطابات مفخخة لهم.
كيف هاجر إلى مصر أيضا عدد من الضباط الألمان، قام بعضهم بالتدريبات الفدائية في الخمسينيات، وكان من بين من تدربوا ياسر عرفات.
يأتي الفصل الأخير يناقش النازية والصهيونية.
مسألة الإبادة النازية لستة ملايين منهم، وكيف كان الرقم محل تشكيك من الكثيرين.
أسماء من شككوا في ذلك.
يبقى السؤال الذي يجيب عليه الكاتب، أنه ضد ما جرى لهم مهما كان العدد أقل، لكن كيف صار الثمن هو فلسطين! ومع نهاية الكتاب تغلق هذا الباب، الذي كان أحد أبواب الخلاص من الاستعمار، وقد عاد تاريخا مهما حولك من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك