يطرح «نظام التنفيذ الجديد» الذي نشرته الجريدة الرسمية، اليوم الجمعة، تحولًا تشريعيًا مهمًا يعيد تنظيم آليات تنفيذ الأحكام، بما يوازن بين حقوق الدائن والمدين ويعزز كفاءة الإجراءات التنفيذية.
ويعكس النظام توجهًا واضحًا نحو «التنفيذ الذكي» عبر تقليل الإجراءات التقليدية وتوسيع الاعتماد على الأدوات الرقمية، بما يسهم في تسريع استرداد الحقوق دون الإضرار غير المبرر بأي طرف.
وأكد المحامي وليد الخليفة أنّ التوجه العام لنظام التنفيذ الجديد يعكس استحداث منظومة تنفيذية متكاملة تراعي جميع أطراف العملية التنفيذية، مبينًا أن الفلسفة التي يقوم عليها النظام ترتكز على تحقيق التوازن بين حقوق طالب التنفيذ والمنفذ ضده، بما يضمن حصول صاحب الحق على حقه دون إلحاق ضرر غير مبرر بالطرف الآخر.
وأوضح الخليفة لـ«الوئام» أن الفروقات الجوهرية بين النظام السابق والحالي تتجلى بوضوح في أدوات إجبار المنفذ ضده على التنفيذ، حيث كان النظام السابق يعتمد على وسائل قد تقيد المدين عن السعي للسداد، مثل السجن، ومنع التعاملات المالية، وإيقاف الخدمات، وهي إجراءات كانت مناسبة لمرحلة زمنية معينة.
أما في ظل التطورات التقنية الحالية وسهولة تتبع الأموال، فقد أصبح من الضروري إعادة النظر في تلك الأدوات، وهو ما تحقق في النظام الجديد من خلال إلغاء الحبس التنفيذي في التنفيذ المالي، مع الإبقاء عليه في التنفيذ المباشر بمدة لا تتجاوز 180 يومًا قابلة للتمديد، وكذلك جعل المنع من السفر غير تلقائي بل بناءً على طلب طالب التنفيذ ولمدة محددة، إضافة إلى إلغاء منع التعامل المالي وإيقاف الخدمات، مع الإبقاء على الحجز على الأموال دون تعطيل كامل لنشاط المدين المالي.
كما أشار إلى استحداث غرامة مالية تصل إلى خمسة آلاف ريال يوميًا بحق الممتنع عن التنفيذ، تخضع لتقدير القاضي وتؤول إلى خزينة الدولة.
وبيّن أن وصف هذه التعديلات بأنها انتقال من «التنفيذ القسري التقليدي» إلى «التنفيذ المالي الذكي» يحتاج إلى دقة، إذ إن النظام السابق كان ملائمًا لظروف زمنية لم تكن التقنية فيها متطورة بالشكل الحالي، بينما أتاح التطور التقني اليوم سهولة الإفصاح عن الأموال وتتبعها، مما قلل الحاجة إلى وسائل الضغط الشديدة، مع الإبقاء على أدوات تقديرية للتعامل مع حالات المماطلة.
وأشار الخليفة إلى أن فرض غرامة يومية على التأخير في السداد سيشكل حافزًا قويًا للمدين القادر على الوفاء، حيث يدرك أن المماطلة ستكلفه مبالغ إضافية تذهب إلى خزينة الدولة إلى جانب أصل الدين، لافتًا إلى أن النظام منح المحكمة سلطة تقديرية في فرض الغرامة أو تخفيضها أو إلغائها وفقًا لظروف المدين، خاصة إذا بادر بالسداد، وهو ما يعزز من فعاليتها كأداة تحفيزية.
وأضاف أنه رغم عدم وجود حل جذري لمشكلة المماطلة، حتى في ظل تطبيق عقوبة السجن سابقًا، إلا أن الغرامات اليومية، مقرونة بإجراءات الإفصاح وتتبع الأموال، من شأنها الحد من هذه الظاهرة بشكل ملحوظ.
وأكد أن تقدير الغرامة يخضع لسلطة الدائرة التنفيذية، مع الأخذ في الاعتبار حجم المبلغ وسلوك المدين ومدى مماطلته.
وفيما يتعلق بإمكانية إثارة الغرامات لإشكالات حول قدرة المدين على السداد، أوضح أن النظام عالج ذلك من خلال إنهاء الطلب التنفيذي في حال ثبوت عدم وجود أموال للمنفذ ضده، مما يؤدي إلى سقوط الغرامة، فضلًا عن منح المحكمة صلاحية إلغائها عند السداد، وهو ما يجعلها أداة عادلة ومحفزة في الوقت ذاته.
وشدد الخليفة على أن هيبة التنفيذ لا ترتبط بعقوبة الحبس، موضحًا أن الحبس التنفيذي كان يُطبق سابقًا على القادر وغير القادر، بينما تقوم هيبة التنفيذ في النظام الجديد على صرامة الإجراءات والعقوبات النظامية التي قد تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة تصل إلى 15 عامًا بحق المماطلين أو المخالفين الجسيمين.
وأشار إلى أن النظام وفر بدائل متعددة للحبس التنفيذي، من أبرزها الغرامة اليومية، وتفعيل إجراءات الإفصاح وتتبع الأموال، وإشراك القطاع الخاص في هذه العمليات، إلى جانب تشديد العقوبات على مخالفي النظام.
وفي جانب الإفصاح عن الأموال، أوضح أن النظام الجديد جعل الإفصاح إلزاميًا على المنفذ ضده بشكل دائم، ويمتد هذا الالتزام إلى أقاربه ووكلائه متى وُجدت قرائن على إخفاء الأموال، مع إلزامهم بالإفصاح خلال عشرة أيام، وفرض عقوبات تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة تصل إلى مليون ريال في حال الامتناع أو تقديم بيانات غير صحيحة.
وأكد أن المادة (50) من نظام التنفيذ نصت على عقوبات مشددة بحق من يقوم بإخفاء أو تهريب الأموال، تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مليون ريال، وقد تصل العقوبة إلى السجن لمدة 15 عامًا إذا كانت الأموال محل الإخفاء كبيرة.
ولفت إلى أن الرقمنة والتطور التقني في المملكة أسهما بشكل كبير في رفع كفاءة تتبع الأموال، حيث أصبحت معظم الأصول مسجلة لدى جهات مختصة، مثل الأموال النقدية والأسهم والعقارات والمركبات وغيرها، مما جعل عملية التتبع أكثر سهولة وفعالية مقارنة بالسابق.
وفيما يخص تقادم السند التنفيذي، أوضح الخليفة أن تحديد مدة عشر سنوات يعد مدة كافية للمطالبة بالحق، وأن سكوت الدائن عن المطالبة طوال هذه الفترة يعد قرينة على تنازله، مع إمكانية وقف سريان هذه المدة عند وجود عذر مشروع وفق ما نص عليه نظام المعاملات المدنية.
وأضاف أن هذه المدة تحقق توازنًا بين حماية حقوق الدائنين وعدم الإضرار بالمدينين، خاصة مع وجود نصوص تسمح بوقف التقادم في حالات محددة.
وبشأن تنظيم المنع من السفر، أوضح أن النظام الجديد جعله إجراءً غير تلقائي، بل مرتبطًا بطلب من طالب التنفيذ، مع تحديد مدته بثلاث سنوات قابلة للتمديد حتى ست سنوات كحد أقصى، مع مراعاة حالات استثنائية يُرفع فيها المنع، مثل الحاجة للعلاج خارج المملكة، أو إذا كان الدين يسيرًا، أو إذا كان عمل المدين يتطلب السفر، أو إذا ترتب على المنع ضرر، أو عند الإفصاح عن أموال كافية لسداد الدين.
وأكد أن اعتماد النظام على التقنيات الحديثة سيسهم في تسريع إجراءات التنفيذ وتقليل النزاعات، من خلال أتمتة العمليات وتسهيل الوصول إلى المعلومات.
وأشار إلى أن النظام الجديد سينعكس إيجابًا على البيئة الاستثمارية، من خلال دعم خدمات تتبع الأموال وتعزيز الشفافية، مع استمرار قدرة المتعاملين على الاطلاع على المعلومات الائتمانية واتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وفيما يتعلق بالتحديات المتوقعة، أوضح أن أي نظام جديد يواجه تحديات في بداياته، إلا أن الدعم الذي تحظى به وزارة العدل، بقيادة وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني، وبدعم القيادة واهتمام سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب توفر الكوادر المؤهلة، سيمكن من تجاوز هذه التحديات وتحقيق الأهداف المرجوة.
واختتم الخليفة تصريحه بالتأكيد أن النظام الجديد يحقق فائدة متوازنة لكل من الدائن والمدين، إذ لا ينحاز لطرف على حساب الآخر، بل يسعى إلى تحقيق العدالة التنفيذية بكفاءة واستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك