إن الأوطان إذا نُوزِعَت في أمنها، وامْتُحِنَت في سيادتها، تبيّن الصادق من المدّعي، وانكشف المستور من الخفيّ؛ إذ لا تُختبر معادن الرجال في ساعات الرخاء، بل تُمحّص في مواطن البلاء.
وما تفضّل به حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، ميزانٌ تُوزن به المواقف، ومِحكٌّ تُعرف به القلوب؛ فالوطن عند الشدائد ليس شعارًا يُرفع، بل عهدٌ يُصان، وميثاقٌ يُرعى، ومن زعم الوفاء وهو عند المحنة أول المنكفئين، فقد شهد على نفسه قبل أن يُشهد عليه.
وقد بان كبد الحقيقة حين كشف العدوان الآثم عن نوايا الأعداء، وعرّى ضمائر بعضٍ ممن يعيشون بيننا، فأبان أن الخيانة لا تولد فجأة، بل تُربّى في صدورٍ خلت من الانتماء، وتُغذّى بأهواءٍ انقطعت عن جذور الوطن.
فليس أعجب من عدوٍ ظاهرٍ يبطش، ولكن الأعجب ممن يُؤتى به من صفّك، فيكون عليك لا لك، ومع خصمك لا معك، وهؤلاء قومٌ لم يفقهوا أن الأوطان لا تُقاس بمنافع آنية، ولا تُباع في أسواق السياسة، بل تُصان كما تُصان الأرواح، ويُغار عليها كما يُغار على العرض.
ثم إن في قول جلالته إن “الجنسية عهدٌ وميثاق” من الحكمة ما يقطع دابر التلاعب بمعنى الانتماء؛ فليست الهوية ورقةً تُنال، ولا لقبًا يُتزيّن به، بل مسؤوليةٌ تُحمَل، ووفاءٌ يُؤدّى.
ومن نقض العهد، فقد خلع عن نفسه رداء الانتماء قبل أن يُنزع عنه؛ إذ لا يجتمع في صدرٍ واحد حب الوطن ومولاة من يعتدي عليه.
ومن هنا جاءت الإجراءات الرادعة لا انتقامًا، بل إقامةً لميزان العدل، وصيانةً لجماعةٍ غالبةٍ أرادت للوطن بقاءه، ولأمنه استقراره، ولرايته علوّها.
وإذا كان الرأي العام قد اصطف صفًا واحدًا، فذلك لأن الفطرة السليمة لا تخطئ في تمييز الخيانة من الوفاء، ولا تلتبس عليها وجوه الحق إذا تجلّت.
وإن في دعوة جلالته إلى صون المؤسسة التشريعية، وتحديد طريقٍ لا ثالث له: اعتذارٌ يُعيد الثقة، أو انخلاعٌ يُنهي التمثيل، لَدَرسًا بليغًا في أن المناصب تكليفٌ لا تشريف، وأن من خان الأمانة لا يُؤتمن على تمثيل الأمة؛ فالوطن باقٍ برجاله الصادقين، قويٌّ بوحدته، عصيٌّ على من رام به سوءًا، ما دام في أبنائه من يجعل الولاء فعلًا لا قولًا، والتضحية نهجًا لا ادّعاء.
*مستشار شؤون الإعلام بديوان ولي العهد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك