في بداية أربعينيات القرن الماضي كانت رحلات الصيف للخارج شائعة بين طبقة الأغنياء، الذين يهرولون إلى أوروبا، حيث هوائها البارد والأجواء الخيالية في سويسرا وباريس، إلا أن هذه الرفاهية قطعتها الحرب العالمية الثانية التي كانت أوروبا وفرنسا بشكل خاص غارقة فيها، وقتها لمعت فكرة الاصطفاف في رأس البر ومطروح في رأس الطبقة الثرية، وكُتب فيها مقال بعنوان «رأس البر فرخة بكشك للمصطافين»، في عدد نادر من مجلة الكواكب.
رحلات الأغنياء لرأس البر بدل باريسوبحسب المقال كان عندما تهب روائح الحر في مصر، تستعد طبقة خاصة من الناس للاصطاف، وأكثرية هذه الطبقة لا تفكر إلا في باريس وسويسرا، والأقلية تعتصم بالفقر وبالوطنية فتفضل المصايف المصرية على سواها، إلا أنه بعدما وقعت الحرب أصبح التفكير في قضاء الصيف خارج مصر كالتفكير في ثني عزيمة إنجلترا عن مواصلة الحرب وقتها، حتى الإسكندرية لم تكن آمنة وقتها، فلم يبق إلا رأس البر.
وكانت رأس البر في صيف عام 1945 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تجذب مجموعة من الأثرياء لم تفكر في السفر للخارج خوفا من الأحداث العالمية، وعلى رأس هؤلاء صدقي باشا، ومحافظ عفيفي باشا وعثمان محرم باشا وبهي الدين بركات باشا ومكرم عبيد باشا.
كيف تعامل الأغنياء مع محدودية رأس البر؟ويروي المقال كيف حمل الأغنياء العيشة في رأس البر مع شدة حرصهم على الراحة، موضحًا سمات كل واحد منهم، بالنسبة لـ صدقي باشا الذي كان دقيقاً في كل شيء، إلا أنه يعرف كيف يعيش عيشة بوهيمية أو عشوائية عند اللزوم، وقد أثبت ذلك عندما كان رئيساً للوزارة فقد زار مرسى مطروح وسيوة والسلوم وسيدي براني في رحلة واحدة استغرقت أياماً، وكان في هذه الأثناء ينام في الخيام وفي استراحات مصلحة الحدود.
وعثمان محرم باشا «لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب»، فهو ليس متساهلاً في معيشته كما يبدو ولكنه شديد التدقيق في نظام الحمامات، فلا يكاد يذهب إلى رأس البر حتى يعود منها في نفس اليوم للمبيت في داره بدسوق.
ومكرم عبيد باشا لا يهمه في المكان الذي يذهب إليه سوى أمرين:أن يكون «الرجيم» الذي يتبعه مراعى في الطعام الذي يقدم إليه.
ورفعت النحاس باشا شديد التدقيق والعناية بكل ما يتصل براحته وصحته، لذلك لا يتسنى له أن يقيم في رأس البر لعدم توفر وسائل الراحة فيها، ومثله في ذلك عبد الفتاح يحيى باشا، كل الأسماء السابقة كانوا وزراء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك