لم يكن الأول من مايو/أيار هذا العام في مدينة آرهوس، ثاني أكبر المدن في الدنمارك، مجرد احتفال تقليدي بـ" عيد العمال العالمي"، بل تحوّل إلى مساحة مفتوحة للتعبير السياسي، تصدّرتها فلسطين قضيةً مركزيةً في وجدان المشاركين.
في حديقة" موللرباركن" وسط المدينة، حيث تجمّع الآلاف من النقابيين والعائلات والشباب، بدا المشهد لافتاً: الكوفية الفلسطينية والأعلام ترفرف في معظم الزوايا على أكتاف دنماركيين من مختلف الأعمار، في تعبير واضح عن تضامن عابر للجنسيات، تجاوز حدود الجاليات ليصبح جزءاً من المشهد العام.
ومع انطلاق المسيرة في شوارع المدينة، ارتفعت الهتافات المؤيدة لغزة وفلسطين، بمشاركة واسعة من مجموعات شبابية ونقابية.
ولم تكن الشعارات منفصلة عن سياق عيد العمال، بل ربط كثير من المشاركين بين النضال من أجل الحقوق الاجتماعية وما وصفوه بـ" الظلم الواقع على الفلسطينيين".
ويرى أحد المشاركين المنتمين لمجموعة أنتيفا المعادية للفاشية لـ" العربي الجديد" أنه" لا يمكن فصل العدالة الاجتماعية هنا عن العدالة في أماكن أخرى… ما يحدث في غزة جزء من نفس المعركة".
هذا الربط بين القضايا المحلية والعالمية بدا سمة أساسية لحضور هذا العام، إذ تحوّلت المسيرة إلى منصة تعبير عن تضامن سياسي يتجاوز الإطار التقليدي لعيد العمال، ونالت غرينلاند نصيبها من التضامن، ووُجّهت سهام ونعوت كثيرة بحق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجيش الاحتلال وساسته.
الهتافات لم تقتصر على التضامن، بل حملت أيضاً انتقادات مباشرة لمواقف الحكومة الدنماركية، خصوصاً رئيسة الوزراء ميتا فريدركسن التي اتهمت في الهتافات بـ" النفاق"، إذ رأى متظاهرون أن الموقف الرسمي" لا يعكس القيم الحقوقية" التي ترفعها البلاد.
من جانبها، تقول ناشطة في لجنة تضامن مع فلسطين لـ" العربي الجديد: " نشعر أن هناك صمتاً غير مبرر تجاه ما يحدث… وهذا ما يدفعنا للنزول إلى الشارع وجعل فلسطين قضية مركزية في تحركات هذا العام".
داخل ساحة المهرجان، امتد الحضور الفلسطيني إلى تفاصيل الفعالية اليومية.
خيام تضامنية، طاولات تعرض كتباً عن فلسطين، وأخرى تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، إلى جانب حضور واضح للكوفية الفلسطينية رمزاً سياسياً وثقافياً، وحملات تبرع لأطفال غزة انتشرت على الطاولات التي كانت تبيع مطرزات وأعمالاً فنية بألوان فلسطينية، واعتبار كل ريعها لهؤلاء الأطفال.
كما رفعت نقابات وأحزاب دنماركية، مثل اللائحة الموحدة وغيرها من اليسار، العلم الفلسطيني إلى جانب أعلامها، فيما شاركت لجان تضامن دولية، كلجنة التضامن مع كوبا، ومجموعات إيرانية، في الفعالية، ما عكس اتساع دائرة التضامن.
وشهدت الفعالية أيضاً عروضاً فنية، بينها مشاركة فرقة فلسطينية قدّمت فقرات لاقت تفاعلاً واسعاً، في مشهد جمع بين الثقافة والسياسة في آن واحد.
من جهته، قال المسؤول بالملتقى الفلسطيني في الدنمارك، وليد ظاهر، إن هذا العام شهد" كثافة غير مسبوقة في التضامن"، مشيراً إلى أن مجموعات فلسطينية شاركت بشكل مباشر في تنظيم الفعاليات.
وأضاف ظاهر لـ" العربي الجديد": " نلاحظ تغيراً في المزاج العام… فلسطين أصبحت حاضرة بقوة في الفضاء العام الدنماركي".
العمال وفلسطين… قضية واحدةما ميّز هذا العام هو تداخل الشعارات الاجتماعية مع السياسية، إذ لم يعد عيد العمال مناسبة مطلبية محلية فقط، بل منصة لقضايا عالمية.
ويقول ناشط دنماركي: " عيد العمال أصبح مساحة لربط النضال العمالي بالتضامن الدولي".
وتؤكد سوزان سورنسن من نقابة" فوا" للتربويين: " لا أحد يجب أن يعيش تحت القصف… العدالة ليست شعاراً، بل مسؤولية".
فيما يرى شاب مشارك أن: " فلسطين كانت الحاضر الأكبر اليوم… ليس فقط بالأعلام، بل في الوعي".
أما ميتا سكوف (في عقدها السابع) فتقول لـ" العربي الجديد إن" ما يحدث في غزة جعلنا نعيد التفكير في معنى التضامن الحقيقي… لا يمكن الاحتفال بالحقوق هنا وتجاهل معاناة شعب آخر".
وتتفق معها صديقتها دورته بقولها: " نحن لا نرفع العلم الفلسطيني فقط… بل نرفع صوتاً ضد الظلم.
هناك فجوة واضحة بين الشارع والموقف الرسمي".
ومع استمرار المسيرة في شوارع المدينة، لم تتوقف الهتافات المؤيدة لفلسطين، وسط تفاعل ملحوظ من سكان آرهوس الذين أبدوا دعمهم عبر التحية ورفع الأيدي.
في المحصلة، بدا أن فلسطين لم تكن ضيفاً على المناسبة، بل جزء من خطابها، في مشهد يعكس تحولات أوسع بأولويات الحركات الاجتماعية في أوروبا.
فالقضايا لم تعد محلية بحتة، بل باتت متداخلة، إذ يتقاطع النضال من أجل العدالة الاجتماعية مع التضامن الدولي، في زمن تتزايد فيه الأزمات وتتسع فيه دوائر الاحتجاج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك